Artist’s writings كتابات الفنان

تجربتي في الشعر والخط

بقلم : حسن المسعود 

  عند دخولي المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1969،  كنت أعتقد بأنني سأتمكن من أن أطوّع فلسفة الجمال وتقـنيات الفن الاوربي لما اريد.  ولكنني فيما بعد اكتـشـفت صعوبة لبس ثوب الحضارة الاخرى. وكل هذا المشاعر كانت تمرفي البداية عبر احاسيس ضبابية وغير واضحة، لكنما كنت أدرك أنذاك انني في ضياع بالنسبة للمسار الفني.
 وعندما كنت أطرح السؤال على نفسي: الى اين الاتجاه؟ تظهر لي صورتي كمن تاه في نفق مظلم ولا يرى النور في النهاية.  أنذاك تحسـست بعمق قول فرانز فانون: تأكيد الذات ليس لعبة أنما هوالعذاب.

وتدريجيا وجدت نفسي أعود نحو الخط العربي في لوحاتي، ولكنها عودة لطابق آخر في هذا الفن، اذ وجدت فضاء جديد لم اعرفه من قبل. وكان ذلك في بداية العام 1973 فقد كنت سابقا خطاطا للاعلانات في بغداد وأملك بدايات وتجربة في الخط  لعدة سنوات. وهكذا دعوت تجارب الماضي لمساعدتي فاستخدمت الخط  في لوحاتي بطرق متعددة، وكانت كلها في البداية طرق تجريـبية وغيرأكيدة. ثم قادتني هذه التجارب الى التفكير بعالم الصور في الفن التشكيلي. الصور المقلدة لما هو مرئي والصورالمتخيلة.
 وهنا تبادرت امامي تساؤلات حول اختـفاء الصور في المدينة العربية القديمة. و كيف انتقل المجتمع  العربي البدوي نحو الكلام وبعد ذلك نحو الكتابة  والخط؟

 كنت أتسائل: هل ان الطبيعة المحيطة بالشعوب يمكنها  التأثـير على الفنون واعطائها خصوصيات وأساليب تختلف من مكان لآخر؟
و لماذا يغلب التجريد على فنون الشـرق، ولماذا تغلب الرسوم التـشخيصية على فنون الغرب؟  كل هذه التساؤلات بدت لي كضرورة لمعرفة نفسي، وللقول من اين اتيت والى اين اذهب؟

سكان الصحراء الاوائل عرفوا الصور عبر صور السراب، وكانوا يعرفون ان صور السراب هي صور الغدر. فكم تائه في الصحراء انقاد اليها وهي تبتعد عنه كلما سار نحوها، وتاه في البراري حتى الموت.

شاهدت أنا بعيني صور السراب. ومنها في صحراء النجف جنوب العراق،  وعمري أنذاك عشـرة سنوات. كنت أركض في الصحراء للوصول الى بحيرة وأشجار أراها قريبة بوضوح، متخيلا انها لاتبعد أكثر من ربع ساعة مشـيا على الاقدام،  وبعد ساعات أكـتـشـفت أنها تبتعد دائما بنفس المسافة كلما سرت نحوها. فرجعت خائبا متحملا ً العطش والحر.

وفي مرة أخرى شاهدت صورا غريبة في منطقة ـ شط الجريد ـ بصحراء تونس. اذ رأيت قافلة من الاباعر والهوادج  بحجم كبير جدا، تبدو وكأنها ليسـت بعيدة  تحت الحر وغبار الجو. لم تكن الصور واضحة، ولكن رغم كونها مشوشـة فأنها لاتوحي بأنها وهما في الفراغ الهائل للصحراء.

من المعروف ان صور السراب هي نتيجة اختلاف درجات الحرارة في الطبقات الهوائية، بالنسبة لقربها وبعدها عن الارض.

ان هذه الصور توحي للمشاهد بوجود الحياة، وتبدو انها بمكان ليس بعيدا في الفراغ اللانهائي للصحراء، ولكنها صور كاذبة ويمكنها ان تقود الانسان نحوالضياع والموت.

هل ان هذه الصور هي التي جعلت سكان الصحراء في شك دائم أزاء الصور المرئية؟ 
خوف وخشية لاواعية أزاء الصور استمرت فيما بعد داخل المدينة العربية؟ فعملت القبائل العربية قبل الاسلام تماثيل وصور تعبدها كي تـتجنب شرها. ولكن هذه التماثيل والصور لم تعد محببة بعد الاسلام. وهكذا نرى ان ارض الاسلام لم تعد فيها الصورة مرسومة على جدران المعالم المعمارية داخل المدينة. انما الكلام اصبح مكبرا بخطوط متعددة الاساليب.

ولكني كنت في ذلك الوقت في شك لطرح هذه الاسئلة. كنت أتسائل  هل انني في دراستي الفنية بباريس على ارتباط فعلي وجوهري بهذه الجذورالقديمة البعيدة؟
ولكن العودة للخط وزميله الشـعر كانا أقوى مني وكنت اتبعهما. لماذا أكون في تعادل عندما اتعامل مع الخط والشعر؟ ولماذا افـقد هذا التعادل عندما أرسم الاشكال التشخيصية؟ لماذا اشعر بانني في بحث فني عندما اتعامل مع اصباغ عملت مع الماء على الورق. ولا اجد ذلك في استخدامي للالوان الزيتية والقماش؟
في خطوطي اشعر وكأنني في حوار مع التجربة الحياتية الاولى، مع عالم الطفولة المنسي، وكل ما اختزنته ذاكرتي من أشكال. اشكال القباب الذهبـية والزرقاء، اشكال بيوت الطابوق ذات الخطوط المسـتـقيمة والفضاء اللا نهائي بأتجاه الافق.
كيف سأقـنع الآخرين وأنا أدرس في أكبر وأهم مدرسة للفن في باريس؟ ولكني أعود في عملي الفني للاشياء القديمة في الخط العربي. أعود الى وصفات الحبر والى تحضير القصبة؟  في ذلك الوقت  أي في السبعينات من القرن العشرين، لم نكن بعد نرى تجارب كثيرة حديثة حول الخط العربي نابعة من اساليبه التقليدية، وممن استعمل الحرف العربي في اللوحة أنذاك، كان في اكثر الاحيان كرسم  للحرف بالالوان الزيتية وليس خطا آتيا من الاساليب الخطية المعروفة. اما ماكنت اريد عمله هو جذب الحروف المخطوطة حسب اساليبها نحو الفن التشكيلي.                                                                    

يتجه فكري أحيانا نحو الشعراء متسائلا، هل ان انحسار الصور في المدينة العربية دفعهم فيما بعد الى خلق صور ذهنية متخيلة؟ وان هذه الصور المتخيلة والمرسومة بالكلمات فقط،أدت الى تقلص انتاج الفن التشـكيلي التشخيصي في الصحراء وبعد ذلك في المدن؟  هل ان تقلص الصورة التشخيصية  في المعالم المعمارية بأرض الاسلام أصبح بالتالي عاملا  لصالح الابتكار في الشعر والفنون الزخرفية والخط العربي؟                                                      

انني كفنان تشكيلي ابحث عن طريقة شخصية للتعبـيرالفـني، وجدت في صور الشعراء اقـترابا لما أريد الوصول اليه. وجدت  في عالم الشعر عونا لي عندما تغلق ابواب الايحاءات ولا أجد المنافذ للابتكار. ولكن كيف يمكن ان اخلط كلمات الشاعر بحروف مخطوطة، للوصول الى لوحة فنية تنـتمي للتراث الفني العربي، وتكون جديدة وغير معروفة سابقا. وباختصار أريد عمل لوحة معاصرة تنتمي في جذورها لعائلة الخط العربي؟

ان مايدهـش في الصور الشعرية كونها تملك قوة تعبيرية كبيرة، ولكنها في نفس الوقت تستخدم ابسط الاشياء انها تستخدم الكلمات فقط. تستخدم اللفظ فـقط. والخط العربي الاخ القريب  للشعر هو الآخر لايحتاج الى اشياء كثيرة، انه لايحتاج الا لورقة وقلم وحبر. كم من خط ادهـشنا ولكنه ليس اكثر من حبر اسود على رقعة صغيرة من الورق.

ولو نرجع لبداية انحسار الصور في الصحراء، لنجد ان بساطة الحياة وقلة المواد حول الانسان كانت من العوامل التي ادت الى ظهور الشعر، وأستخدامه للتعبير بدل التماثيل والصور الملونة. الشعر هو رسم المناظر بالكلمات: رسوم الديار والخيول والخيام.
                                                           

 

هنالك عوامل اخرى كثيرة ساهمت في البداية بتقـليل الصور في المجتمعات الصحراوية. منها كون  سكان الصحراء هم من البدو الرّحل، ولايحملون معهم الا ماهو ضروري وخفيف. وقلة توفر المواد الاولية للاعمال الفنية.

وهنالك سبب آخر مهم  وهو كون ان الصور تعرضت للنقد قديما من قبل الفيلسوف افلاطون وبعض التيارات الدينية  في الشرق. فرفضت بعض المدن الصور قبل الاسلام، ولكن بعد مجيء الاسلام فان الصور والتماثيل لم تعد محببة في البنايات بالمدن العربية والاسلامية.  بسبب الوثـنية القديمة، وتحولت الصور الى حجوم مصغرة في الكتب.  ولم تعد تزين الجدران كما هو في العالم الغربي.

                                                           
 الصور المتخيلة في الشعرتبقى ضرورية  في زمننا الحالي. وكما يقول اينشـتاين ان التخيلات هي أهم من المعرفة. وعنده الحق لان المعرفة آتية من التخيلات والتخيلات تسـبق المعرفة دائما. الصور المتخيلة تقابل الصورالاخرى، تلك الصورالتي تمنح نفـسها بسهولة. اذ نرى اليوم صور متطورة تقـنيا متاحة للكل، كما في التلفزيون وفي الآت التصوير، مما يشـبع رغبة الانسان في استهلاك الصور. انها صور سهلة المنال. ولكن اشباع الذهـن بهذا النوع من الصور انما يقلص من امكانية الانسان في التخيل، وبالتالي يقلص من خلق وابتكار الصور الجوهرية، الصور السليمة.
 الحل السليم هو بالتعادل مابين الصور السهلة، ومابين الصور الشاعرية المتخيلة الصعبة والتي تحتاج الى جهد لمشاركة السامع في خلقها.

 

وهكذا وجدت أجواء متعددة في الصور الشعرية تنـشـط مخـيلتي، وتساعدني في انتاج عمل فني تشكيلي مادته الحروف.  ومع مرور السنـين وجدتني أعـتبر الشعر من المواد الاساسية في عملي الفني. الى جانب كل المرئيات، ومن هذه المرئيات ما شاهـدته عبر السنين لاشكال الحروف والتشكيلات الخطية.

                                                              *
                                                                  
يؤكد لنا علماء الدماغ بأن تعادل نفسـية الانسان، لايتم الا في تعادل بين استهلاك الصور من جهة وبين انتاج وتحرير الصور من جهة اخرى.
ولتحرير الصور من المخيلة البشرية، لابد للانسان من تأمل الطبيعة ومنتجاتها كالاشجارأوالغيوم. ومشاهدة الاعمال الفنية كالرقص والموسيقى وقراءة القصص الادبية والشعر.  ومن الطبيعي مشاهدة الخط أيضا وهو محور هذا المقال الخ.  كل هذه الفنون  تنشـط التخيلات وتحرر الصور من الذهن. بينما ان يجلس الانسان لساعات طويلة امام التلـفزيون مثلا  فأن ذلك الاستهلاك للصور السهلة يقلل من قدرته على التخيل.

كل الشعوب على الارض انتجت فنون نابعة من حاجتها التعبـيرية،  وتخضع لمؤثرات الطبيعة المحيطة بها. وبمرور الزمن تزداد تراكمات النتاجات الثـقافية للاجيال المتعاقبة، فتدخل اشكال الفنون في الذاكرة الجماعية للبشر في تلك البقعة. ففي اوربا مثلا استعمل الفنان الصور التشخيصية لديكور المعالم المعمارية، ومنذ الصغر شاهد الطفل في هذه المدن تلك الصور واصبحت جزء من ذاكرته الفنية. بينما في الصحراء والمدن القريبة منها لايرى الانسان الا مساحات صافية من الرمل الاصفر والسماء الزرقاء، فتكون كصفحات نقية لتخيلاته الشكلية. وعندما يدخل المدينة في العالم الاسلامي فانه لن يكن يرى سابقا الا خطوط المعالم المعمارية.
اليوم يمكن القول ان كل تعبير فني له قيمته الخاصة به. ولا يمكن ان نعطي افضلية للواحد على الآخر. كل الفنون هي من عائلة واحدة وكل فن ينير الفن الآخر.
 فقدان الصور في المدن القريبة من الصحراء ليس بعيدا عن زمننا الحالي، ففي طفولتي وعندما كنت اسكن مدينة النجف في جنوب العراق، لم تكن هنالك رؤية ممكنة للصورالا ما ندر. وذلك في الخمسينيات من القرن الماضي. ورأيت هذا الحال الآن، في بعض المدن الموريتانية القريبة من الصحراء.

عندما ابحث عن الفنون المرئية التي انـتـشـرت في المجتمع الذي انتمي اليه، أجد ان الخط العربي هو احد هذه الفنون ومن تراكماته تغذيت، عبر خطوط الكتب وعبر ماهو على الجدران والحاجيات اليومية. أمتلات عيوني  بأشكاله منذ الصغر. ثم اصبح مجال عملي الوحيد منذ عام 1960 وها انا اجده من جديد وأعود اليه في باريس في الثمانينات من القرن العشرين.  اتحد بأجمل ماتركه لنا الخطاطون القدماء. أقدر مدى صعوبة عملهم، وأثمن امكانياته الجمالية، وأن كان الخط قد دخل عيوني منذ الصغر فأن آذاني قد سمعت أيضا منذ الطفولة في المدينة والمدرسة الشعرالعربي.
وها انا ألآن في باريس ألتـقي بالخط والشعركمن يلتقي بسعادة أصدقاءه القدماء. وربما ان الغربة هي التي ساعدت في اتساع زخم هذا اللقاء.                                                               

وان ارتبطت الصورة في الصحراء بذكريات صور السراب الغادرة منذ البداية عند المجتمع البدوي، فأن الشاعر امرؤ القيس أول من جاء بحل جوهري لهذه المشكلة، وذلك برسمه الصور بالكلمات. صور شعرية واضحة ومؤثرة، استحـسنها الشـعراء وساروا على نهجها فيما بعد. امرؤ القـيـس اول من رسم الديار والتوقف على الطلول، بكلمات قليلة في جودة من السـبك وبلاغة في المعاني. وأضاف كذلك التعبير الوجداني كما في قوله:

وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليـبتلي

الآم الشاعر تحولت هنا الى مايشـابه لوحة فنية، رسم فيها بخياله الواسع الموجات الثـقيلة التي تريد أن تسحقه. ومن يسكن الصحراء ولم يكن قد رأى البحرانذاك، كان البحر بالنسـبة له كنهاية العالم. وحتما ان خيال السامع كان يتخيل منظرا مرعبا وهائلا. ويمكنني كفنان تشـكيلي يستعمل الحرف العربي أن أخط هذه الكلمات في اللحظات التي تـثـقل الهموم فيها قـلبي.
 في كل لحظة اترك قلبي يقود يدي وهي تخط، فتـتكرر اللوحات كل واحدة تعكس لحظات خطها. وكل جرة حرف انما سـتمـتليء بما في داخلي من أحاسيس. أتخيل امرؤ القيـس وهو يؤلف بيته الشعري، أعيـش هذه اللحظات بعمق، فتدخل احاسـيس الهموم داخل الحركات الخطية، وتنكمش على نفسها ويتقلص البياض لصالح السواد وهكذا.
أعيد الخط عدة مرات من أجل تحقـيق الصورة المتخيلة في ذهني بالضبط. فأجد أن الخط الذي عملته في الدقائق الماضية سيكون مختلفا عن الخط الذي سأعمله في الدقائق الآتية، لانني وبمجرد خط لوحة مع هذا البيت الشعري، انما حاورت ذاتي عن سبب الهموم، ولما كانت الهموم والافراح نخلقها نحن انفـسنا بسـبب أو بدون سـبـب، فأن هذا الحوار مع الهموم قد يلغى هذه الهموم، أو يقلصها بعد اول لوحة، وعندما اخط اللوحة التالية انما اكتشـف نوع من الهدوء قد بدأ يدخل قلبي المضطرب، ومظهر خطوطي كذلك، وهكذا ان هذا البيت الشعري لأمرؤالقيس يصبح مادة للعمل الفني.

 أجد ان رفقة الشعراء تساعدني في الذهاب الى ابعد مما استطيع. عند كل الشعراء وفي كل العصور نجد اجواء وصور متعددة، ولكننا نقـترب أحيانا من هذا اكثر من ذاك، وفي هذا اليوم اجدني اتحسـس الشعر القديم، بينما في يوم آخر اتحسـس الشعر الحديث. وهكذا

 ولنعود لصور الشعراء:
 
ففي بيت شعري لابن الرفاعي يصور أحاسيس مشابهة لما قال أمرؤ القيس:

وفوقي سحاب ٌ يـُمطر  الهمّ والاسى وتحتي بحار  بالجوى تتدفق ُ

يعطيني هذا البيت الشعري احساس بالفضاء، بما هو فوق في الاعالي وبما هو تحت في الاسفل. وبما هو افقي بنفس الوقت.   فالسحاب تسـير في السماء والبحر يسـير على الارض. فأتخيل المنظر الذي سـيدخل في الكلمات ومن هذه الكلمات وحروفها سيكون الهيكل القادم لهذا الخط. أتخيل الهندسـية الكامنة خلف اشكال الحروف وبنفس الوقت اتحسس المعنى، وامتـزاجهما ضرورة في اللوحة الخطية.

خضع الشـعر لقوانين راقية، قوانين في المعنى والشكل بآن واحد. الايقاعات الموسـيـقية المسـموعة تأتي من التعاقب الزمني للحركات والسواكن. والتعدد في شكل الابيات الشعرية أخذ تنوعا واسعا، فمن أسماء البحور يمكننا تصور الثراء الشكلي للبيت الشعري:  الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، والرجز، والرمل، والهزج، والمنسرح، والخفيف، والسريع، والمتـقارب، والمقـتضب، والمجتـث.

وفي الخط يكون الاهتمام بالفراغ أحيانا أهم من خط الحروف نفسها. الخطاط يهتم بأيقاعات الفراغ حول الحروف. وهل ان المهم والذي تنظره عيون المشاهد في الخطوط هو الحروف السوداء ام البياض حول الحروف والذي تحدده هذه الحروف؟ أم كلا الاثـنين؟
ومثل تـنوع البحورفي الشعر، اننا نملك تنوع الاساليب الخطية  وهي كثيرة ومنها: الكوفي، والنسخ، والثلث،والريحاني،والمحقق، والفارسي، والديواني،والاجازة، والرقعة. وكما ذكرت أعلاه ان الشعر والخط اخوة ينحدرون من نفس العائلة وما أختلافهم الا اثراء من الواحد للآخر.

 

ان خيال الشاعر يتجه دائما الى ماهو جوهري فيجعل مشاهد الحياة أكثر حقيقة. والحروف التي يتلفظها هي التي ترسم لوحاته. وكما يقول ابن سنان الخفاجي: ان الحروف التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الالوان من البصر.

 في بيت شعري لعمر بن يوسف الحنطي أرى بسرعة لوحة خطية عند سماعي لهذا البيت:

أوميض برق ٍ أم سيوف تـُـبر ق ُ

عند سماع هذه الكلمات القليلة يتخيل السامع منظراً أكبر بكثير من هذه الكلمات،  وهنا تكمن اهمية دور الشعر، اذ يجعل السامع يساهم في العملية الفنية ويكون هو ايضا مبدعا. وفي الخط كذلك فكم من تشكيلة خطية توحي للمشاهد كهذا البيت الشعري بأحاسيس متعددة. نرى اشياء تذهب الى ابعد من النص المخطوط. فالمدات الطويلة بين الحروف في الخط العربي لاتعني شيئا، ولكنها مجال الحلم والتخيل للخطاط والمشاهد ايضا.
ارى عند قراءتي لهذا المقطع الشعري، حروف في حركات فضائية بالخط الفارسي او بالخط الديواني.
 فبالاضافة للطرب عند سماع موسيقى الكلمات، والتـقــشف الذي مارسه الشاعر في قلة الكلمات لرسم صورته.  نربط هنا ذهنيا مابين تمزق السماء بخطوط بيضاء سريعة، وما بين اشتداد معركة بسيوف لامعة.
واستعمال عمر بن يوسف الحنطي لصورة سماوية تقابل صورة أرضية،  نجد تفـسير لهما عند ابن سينا بقوله:
 المحاكاة هي ايراد مثل الشيء وليس هو
وقول ابن سينا يلخص الكثير مما اريد قوله. ففي لوحاتي الخطية لا اريد ان اخط الكلمات بالاساليب التـقليدية المعروفة ولا أريد ايضا أن أرسم البرق والسيوف بشكلها الطبيعي. انما أريد المحاكاة. اريد عمل خط يكون مثل البرق والسيوف ولكن ليس البرق والسيوف.
                                                                 

يحيط الشعراء في الصحراء فضاء واسع صاف، لايوقـفه الا خط الافق البعيد. خط الافق المستديرمن كل الجهات التي ينظر اليها الانسان. وتــشابه مناظر الصحراء وأنعدام الاشكال الكثيرة،  يدفع الشاعر الى التغلغل في اعماقه، فيكثــف احاسـيـسه الداخلية. وبينما هو في لحظات التأمل الطويلة، تـنفجر الصور في ذهنه بمجرد رؤيته لشيء ما يحفز هذه الصورعلى الخروج. كقول سلم بن عمر:

ســقــتـني بعـيــنـيها الهوى وسـقــيـتها

كلمة سقـتـني هي كلمة مضادة للعطـش الذي يعرفه جيدا سكان الصحراء، فهم يعرفون قيمة الماء في ارواء الظمأ. وهنا استخدم الشاعر هذه الصورة الايجابية في الارواء من العيون البشـرية وليس الارواء من عيون الماء.
الذكاء عند الشاعر في طرح صورة العين والسقي، والوهم بين عين ماء وعين بشرية، يوضح صعوبة متطلبات صناعة الشعر، وبالتالي نجد هذه الصعوبة ايضا في صناعة الخط لان كلاهما يتطلبان هذه المهارة السحرية.

وان تكن هذه الصورة قد ولدت من حضور ماهو مرئي، فهنالك صور لغياب الرؤية كما يقول قيس بن ذريح:
وددت من الشــوق الذي بي أنــّني  أ ُعار جناحي طائر فأطــير

وهنا صورة الشوق طائرة في الفضاء وكم من مجال للخطاط في الهيام بالفضاء لخلق نفس الاجواء. أليست صورة كهذه منشــطة لذهن الخطاط في تصعيد حروفه عندما يجدها ثقــيلة ومتباطئة؟  

ولكن شاعرنا قيــس بن ذريح  لن يطيرالا في مخيلته فيصف المرأة بهذه الصورة:

ولو لبســت ثوبا من الورد خالصا لخدش منها جلدها ورق الورد ِ

أية رهافة يصفها قيــس بن ذريح عبر هذه الصورة النادرة. انها نادرة تماما كندرة الورد في الصحراء. وبصورته هذه يطلق العنان لمخيلة السامع في تخيل اشياء كثيرة: الورد والـثوب ونعومة المرأة. وهنا ماعلى الخطاط الا ان يستعمل قلما دقـيقا لوصف هذه الصورأو يستعمل الوانا رقـيقة كورق الورد.

الشاعر العباس بن الاحنف يرسم ويقول نفس المشاعر في البيت الاول لقيس بن ذريح:

أسرب القطا: هل من يـُعـير جَنــَاحهُ لعلي الى من قـد هـويت ُ أطيرُ

انه يطلب من سرب الطيور اعارته جناح للطيران كي يلتقي من يهوى. فأن هذه الصورة تقول لنا انه في  لحظة قول الشعر تمرامام الشاعرالطيور فيـقرراشراكها بعمله الفني وبأحاسيسه. وكم هي بسيطة هذه الصورة.  الشاعـرهنا يعلمنا العـفوية وتحسـس مايحوطنا بدل التـقليد للاخرين بصور ثـقيلة معقدة.
وفي اللوحات الخطية يعلمني هذا الشاعر استلهام الحدث حولي، وهضم التأثيرات المتعددة كاألافراح والآلام وتأمل عناصرالطبيعة، واخراجها على شكل تعبيرفني. ولكن العفوية التي نتكلم عنها ليست آتية بسهولة. انها نتيجة بحث وتأمل مسبق.
الشعر كما يقال صناعة وطبع وبراعة، لذلك لاتوجد سهولة في ســيولة الصورالشعرية. فالكلمات تساهم في تنــشـيط الصورالمتخيلة، ولكن ايجاد الكلمة المناســبة للمكان المناسب يتطلب بحث وتأمل لزمن طويل من اجل بناء البيت الشعري. كما يذكر ذلك الشاعر ســويد بن كراع:

أبيت بأبواب القوافي كأنــّــما أ ُصادي بها سربا من الوحش نــُـزّعا

فأن الكلمات يمكن ان تكون متمردة متوحـشة لاتسـتــسلم بسهولة للشاعر. وهكذا تـترك الشاعرامام الباب منتظرا. يوضح لنا الشعراء ان البسيط ليس سهلا. والعفوية هي نتيجة لما قبلها من بحث طويل وأهتمام واسع.

  الخطوط المبتكرة تكون كذلك، فانها لاتاتي وحدها انما لابد من الذهاب نحوها وانتظارها. وقد تأتي او قد لاتاتي. وعندما لا تأتي لابد من الانتظار. وهكذا ان الايحاءات تكون احيانا كطاغية متمردة تفرض ارادتها، ولكنها تكافيء بكرم من يعرف حقيــقـتها ويصبر طويلا للالتقاء بها.
                                                         
  وكما قال ابن البواب في القرن الحادي عشريصف الخط العربي وعلاقته بالخطاط:
ان من تعاطى هذه الصناعة ـ يحتاج ـ الى فرط التوفر عليها، والانصراف بجملة العناية بها والكلف الشديد بها، ولوع الدائم بمزاولتها، فانها شـديدة النفار، بطيئة الاستـقرار، مـُطمعة الخداع، وشيكة النزاع، عزيزة الوفاء، سريعة الغدر والجفاء، نوار قيدها الاعمال، شموس قهرها الوصال، لاتسمح ببعضها الا لمن آثرها بجملته، وأقبل عليها بكليته، ووقف على تآلفها سائر زمنه.
 
ونجد في النصوص الادبية القديمة الكثير من الآراء حول الشعر وصوره كقول حازم القرطاجني عن التخيل في الشعر:
  تكون بأن يتصور في الذهن شيء من طريق الفكر وخطرات البال، أو بأن تشــاهد النفــس شيئا  فتذكر به شيئا ، أو بأن يحاكي لها شيء بتصوير نحتي أو خطي.

وهكذا يعلمني الشاعر مرة أخرى بأن آخذ الحروف، و أعيد تركيبها أو أكسرها وأعيد بنائها. الف شكل وشكل ممكن لكل كلمة في الخط العربي. و من الممكن ان نجد حروف متمردة متوحـشة لا تستــسلم بسهولة للخطاط. ولكن في الصبر والمثابرة يجعلها تســتـسلم في الاخيرلأرادته.

بعض الصور الشعرية جاءت للشعراء عند حلول الظلام. حيث ينظر الشاعر للسماء الآهلة بالنجوم، في سماء ملونة بلون ازرق غامق حتى السواد. ومابين حالة الوعي والنعاس يرى الشاعر هذه الصفحة الكبيرة للسماء مرصعة بالنجوم. وكلما غلق عينيه وفتحها يرى النجوم وقد غيرت مكانها. فتختلط هذه الصور بتأملاته كما يقول لبيد بن ربيعة:

وما المرء الا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد اذ هو ساطع

تضمن الشعرالعربي كل افكارالانسان ازاء الوجود، وعلى الخطاط ان يقرأ ابيات الشاعرليخفف من عناء قلبه. وهنا في شعر لبيد فكرة فلســفية تجاه مشكلة الوجود، فكرة تمتزج بحركية الشــهاب وبسقوط الرماد. هنا أرى ذهنيا  لوحة تتضمن جوهر كل عمل فني ناجح. ألا هو في الايحاء بنقطة ثبات وموت في الرماد ونقطة حياة وهروب في الشهاب. هذا الشهاب الذي يتحول بلحظة البرق السريع الى رماد. كل تكوين ناجح وديناميكي في الفن يتطلب ان نرى نقطة ثبات في مكان وبمكان آخر نقطة هروب.

ويرسم لنا الشاعر سعيد بن محمد المرواني القمر فيقول:

والبدر في جو الســماء قد انطوى طرفاه حتى عاد مثــل الزورق

 ارى هذا البيت الشعري كخط ابيض رفيع على فضاء أزرق، ان هذا الشاعر ربما كان خطاطا بنفس الوقت لانه يرسم منظره الحروفي بسهولة. ولابد من القول بأن المجتمع الاسلامي قبل القرن العشرين كان يعلم ابنائه منذ الصغر الكتابة بالخط الجميل وليس كما في عصرنا بالاقلام الرديئة كقلم الحبر الجاف.

وفي رسم آخر عمله لنا الشاعر ابوالحسن التهامي:

ان الكواكب في عـُلو محلها لتـُرى صغارا وهي غير صغار

تبدوا هذه الصورة كوصف سطحي للسماء ونجومها، ولكنها تعطينا صورة مجازية لكل الاشياء التي  ترى من بعيد بشكل بسيط لكنما عند الاقـتراب منها ندرك مدى عمقها، وهذا الاقـتراب يسمح لنا بالتعرف على حقيقتها التي لم نكن نتصورها.
ففي الخط أيضا نحتاج الى هذا  المجاز أي نقصد شيئا في تشكيل الحروف بينما يرى الاخرون أحيانا شيئا آخر. نخط كلمات ونفكر بالمعنى، بينما المشاهد يعجب بشكل الحروف ومظهرالحبر، أو ان تخيلاته تقوده لرؤية شيء لم نفكر به ابدا. وهذا هو دور ووظيفة العمل الفني في تحرير افكار المشاهد ودفعه للمساهمة في التامل.

ومن صورة اخرى أكثر بساطة للشاعر جميل بن معمر، يعطي فيها للمرأة صورة البدر:

هي البدر حـُسـنا، والنساء كواكب وشـتـّان مابين الكواكب والبدر
 
 في هذا البيت تأخذ الكافات اشكالا متحركة منتصرة تريد الصعود والخروج. مما تسـمح للخطاط بأمكانيات متعددة لتشكيلاته. فالنغم اللفـظي للشعر يمكن ترجمته بسرعة الى نغم خطي.

وعندما يقترب الفجر وتختتفي الكواكب يرسم لنا تميم بن المعز صورة رائعة:

كأن سواد الليل والصبح طالع بقايا مجال الكحل في الاعين الزرق

هل يمكن للخطاط المعاصران يرسم لنا صورة بهذا العمق وبهذه البساطة بحروف قليلة كهذا البيت الشعري؟  ولكن وبعد استخدام طويل للحبر الاسود في الخط ها ان الشاعر تميم بن المعز يسمح لنا في هذا البيت الشعري بأستعمال الالوان.

ولو نتسآل كيف قارن تميم بن المعز مشهد السماء بالأعين الزرق؟ فيجيبنا الجاحظ في نقده للشعر:

ان الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم. وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع.
وهكذا ان الجاحظ يعطينا درس في الفلسفة الجمالية. يطلب من عندنا الجرأة على التغيير والتجديد. يقول لنا ماهو الابداع في سطور قليلة.

الصور الشعرية تعطي الطمأنـينة للشـاعر عندما تـنـتابه أحاسـيس وجدانية مؤلمة. وهذه الصور تكون فيما بعد مخفـفة لألآم السامع الذي يشارك الشاعر بأحاسيس ألم متقاربة. فهذا ابو الطيب المتنبي رغم الاعتداد بالنفس المعروف عنه،  يفـقد هنا ثـقـته بنفسه:

كريشـة بمهب الريح ساقـطة  لاتسـتقر على حال من القلق

أن قوة هذه الصورة الشعرية لاتكمن هنا في قوة الصناعة الشعرية عند المتنبي فقط. انما ايضا انها آتية من كونه فتح قلبه وتكلم عن معاناته. وهكذا اجد في هذا المثال عونا لي في عملي الفني وان هذا البيت ينير طريقي عندما يعم الظلام. ففي الفن لاتكفي المهارة انما لابد من عكس الاحاســيس الآنية الجديدة لكل لحظة. و قول رأي حول الحياة على الارض وحول المسيرة البشرية. وكم هو ممكن عمل لوحة خطية تأخذ فيها الحروف اشكال طائرة بمهب الريح  كصورة الشاعر ابو الطيب المتنبي.

  وهنا  يتعجب أبو العتاهية من نفسه عبرصورة الهلال:                                                                                                       
يمرّ ُ بي الهلال لهدم عمري وأفرح كلما طلع الهلال

 يجيب ابو العتاهية عن تساؤلات الانسان ازاء دورة الزمن،  ويلخص الحياة والموت بكلمات بسيطة وبفكرة عميقة. وهكذا عند قراءتي لهذا الشعر اقول انما يجب ان أجد صور بسيطة لخطوطي أيضا، صورعندها القدرة على طرح تساؤلات تمس جوهر الحياة أيضا. وعندما تعجز مخيلتي عن خلق هذا الحوار حول الزمن، استمر أطرق ابواب الشعراء مرة اخرى، فيقول لي الشاعر اسامة بن منقذ بعقلانية :

فالدهر كالميزان ماينفكّ ُ من رفع وخفض ِ

وعلى الرغم من كون هذا الشعر يعيد هنا التكلم عن الحياة والدهر، فأن ذهني التـقط شكل الميزان .فالتكوين الخطي هو ايضا ماينفك من رفع وخفض، فهل استطيع التوصل لتكوين خطي متوازن يقول فكرتي عن الدهر؟
كل عمل الخطاط العربي يعبرعنه ميزان هذا البيت الشعري. فالخطاط يريد دائما ادارة ووزن الكلمات ويتولى معادلتها داخل تكوين متحرك، وفي صراع مع قانون الجاذبية وضغوط الفضاء. الحرف العربي عنده اشكال مختلفة، مرة صاعدة وأخرى هابطة. حرف ينام على السطح الافقي، وحرف يتعلق بخط الافق. وآخر يصعد مائلا أمام آخر ينساب بسيولة. حرف ينسحب من هنا وآخر آت من هناك. حرف متباطيء يسمح لحرف آخر بالظهور منتصرا.

 

وفي بيت شعري آخر لأسامة بن منقذ أيضا  يرسم صورة الشمعة. ولكنه حتما انه يقصد الانسان الذي يضحي بحياته من اجل الآخرين:

أنظر الى حسـن صبر الشـمع يظهر للرائين نورا وفيه النار تسـتعـر

وكم من مرة اوحي لي هذا البيت بصور خطية، لقد اعدت خطه عشرات المرات، وكل مرة أشعر انني لم استطع أعطاء هذا البيت حقه. لاني ارى الصورة الاخرى غير صورة الشمعة. فمن غير الممكن ان يقصد ابن منقذ الشمعة انما اتخذها كصورة مجازية للتكلم عن الانسان.

وللعباس بن الاحنف نقرأ نفس الصورة ولكنه يقول بوضوح ان المقصود هو انسان وليس الشمعة:

وفـتـيلة المصباح تـُحرق نفـسها وتضيءُ للساري وأنت كذاكا

وهكذا ان الكلمات هنا تـُسبك لخلق جو فني تختلط فيه التـقـنيات والاحاسيس والحكم والاخلاق, وهذه الطريقة الشعرية هي مشابهة لبحث الخطاط. وما قيل عن الشعر من تحليل يمكن ان يكون لنا عونا في مجال الخط. ومن عبارة لابن طباطبا العلوي يقول فيها:

 ان الشاعر كما الصائغ الذي يذيب الذهب والفضة المصوغين. فيعـيد صياغتهما بأحسن مما كان عليه.

أعادة الصياغة. منذ سنين طويلة اريد اعادة صياغة الحرف العربي، وكل يوم اريد ان اتوصل لخطوط باحسن مما عملته بالامس. اريد خطوط جديدة لها شكل يتلائم وعملي كفنان تشكيلي.  وأعادة الصياغة تفرض ايجاد نفس القوة للخط ولكن بشكل لايشابه ما سبق.

 بعض الصور الشعرية تكون كلوحة بالالوان، ونرى هذا في البيت الشعري للحسين بن مطير:

وصفرٌ تراقيها وحُمرٌ أكفها وسودٌ نواصيها وبيضٌ خُدودُها

عندما اسمع هذا البيت الشعري، ارى ان على الخطاط ان يستطيع استعمال الالوان أيضا والاستفادة من قوتها، مما يعزز رغبتي المسـتمرة في البحث عن اصل الالوان، ووصفاتها المستعملة عند الخطاطين القدماء، ومحاولة تجديدها واثرائها بما يتوفر اليوم من مواد مبتكرة.  أعطاء روح العصر الذي نعيش فيه دون قطع الجذور مع الماضي.

 

وبعد مرور القرون وأهتمام العرب بالحدائق. وخصوصا في بلد كالاندلس، ولدت صور شعرية جديدة.   حيث استلهمت حساسية الشاعرالمحيط الجديد.   فترك لنا الشعراء صورا رائعة وبألوان زاهية للطبيعة.
وهنا بيت لابن الرومي:

وقد ضَرَبت في خُضرة الروض صُفرة من الشمس فأخضرّ اخضرارا ً مُشعــشعا

وقد قادتني الاشعار التي تصف مباهج الطبيعة والاشجار والاوراد والاثمار،  الى عمل مجموعات متعددة من الخطوط. يكمن فيها بآن واحد صور الطبيعة من جهة، ومن جهة أخرى ما أراده الشاعر في التكلم المجازي عن الانسان. ومن صورة لأبن زيدون تـتطلب من السامع تذكر قصة حياة الشاعرأو تطلق العنان لمخيلته لتصورمايريد. كقوله هذا البيت الرائع:

واذ هصرنا فنون الوصل دانية قـُطوفها فجنــينا منها ما شــينا

يحكي هنا ابن زيدون قصة حبه الكبير نحو ولادة بنت الخليفة المستكفي، ويمثل تلك اللحظات السعيدة لأيام الشباب. كغصن مليء بالثمار يكفي أمالته قليلا لقطف ثماره. وكم هي قريبة اشكال هذه الغصون الى الحروف العربية، وعندما نتخـيل غصون ابن زيدون وهو يسحبها نرى صورة للخط العربي. ولكن اية صورة مجازية رائعة للتعبيرعن حبه الى الشاعرة ولادة.

وسأذكر البعض من الصورالشعرية التي توقفت عندها كثيرا:

ومن ذا يرد ُّ السـهم بعـد مضائه ِ

صورة قوية للشاعر كثــيّرـ القرن 7 ـ أيضا انها آتية من عالم الصحراء البسيط والرهيف، صورة السهم النحيف والمنطلق نحو الهدف. الشاعر كثــيّر يريد لهذه الصورة التعبــيرعن كل حدث او قول خطير لايمكن التراجع عنه، ولا يمكن تغــيـير مساره. والحكمة هنا، انه دعوة للانسان للسيطرة على أفعاله.

وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا؟

 ـ الشاعر ابن خفاجة يقول لنا انه لايستطيع النوم. وان الارق يجعله يقظا يحلم فيما يراه من صور في السماء. هذه السماء المليئة بالنجوم. فيتخيل صورة الراعي ويلصقها بالنجوم، فيتخيل نفسه راع لهذه النجوم.

ألؤلؤ ٌ دمع هـذا الغــيث أم نقط؟
 كم صورة عمل لنا الشاعر ابن هاني الاندلسي في سـتة كلمات فقط؟
اولا ً اللؤلؤ، ثانيا الدمع، ثالثا الغيث، رابعا النقط. انها صور واسعة ومكثـفة يشحنها داخل مجال صغير.

ويعطينا الشاعر ابو عامر بن الحمارة  ـ غرناطة ـ بيت شعـري، يعادل مابين الوعي واللاوعي فيرسم لنا صورة معقدة تتطلب تخيلات واسعة لأدراكها:

اذا ظن وكرا مقــلتي طائر الكرى رأى هـدبها فأرتاع خوف الحبائل ِ

فأنه في حالة الارق ولا يستطيع النوم، فيصور النوم على شكل طائر، ويقول ان هذا الطائرلايدخل عيونه ،لأنه يتصوران عيون الشاعرهي وكر، بسبب رؤيته للأهداب في مدخل العيون، فـيتخوف ان يقع في الحبائل.

 

وأختم هذه السطور ببــيـتـين لأبن الرومي يرسم لنا منظرا للحديقة، منظر يكاد ان يكون مشــهد لاحد المعالم المعمارية الاسلامية حيث تمتـزج الغصون والاوراد بالخطوط:

أجنــيـنك الورد أغصان وكثــبان فــيهن نوعـان تـُفـاح ورمان ُ
وفـوق ذينــك أعـناب مُهــدلة سُــود لهـن ّ من الظــلماء ألوان ُ

 

حسن المسعود ـ اكتوبر ـ 2008

 
 ————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————–
 ————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————–
 
الخـــــط   الــعـــربي والـفـن الـتـشــكـيـلـي

 

بقلم : حسن المسعود

عن كـيفـية تـطـبـيق الخط الـعـربي في الفـنون المـعـاصرة، أرى من الأفضل أن أتكلم عن تجربـتـي الشـخصية فـقـط، لأني فنان تشــكـيـلي ولسـت ناقدا، وكما يقول المثـل الياباني: ـ الخط هو الإنسان نـفسه ـ أي إن كل خطاط له تجربة مميزة تعكس مســيرة حياته الـفـنـيـة.
 منذ طفولتي كنت محاطا دائما بالخطوط العربية مكبرة على جدران المعالم المعمارية في مدينة النجف بالعراق.على جدران المساجد والمقابر والمدارس الدينية والمكتبات.
اكتــشــافي للخط يعود أيضا إلى خالي الذي كان خطيبا وكاتبا وخطاطا هاويا، رايته يخط بقلم القصب وبالحبر الأسود وعمري خمس سنوات.
 في العاشـرة من عمري كنت اعمل خطوطاً جذبت انـتـباه المعلم في المدرسة الابتدائية ونلت  تـشـجيعه، كما ساهمت بمـعارض الرسم والخط لكل سنوات الدراسة الابتدائية والمتوسطة.  ومن جهة اخرى عملت بعض اللوحات الإعلانية لمحلات تجارية في مدينة النجف.
 في عام 1961 وعند إكمالي المتوسطة رحلت من النجف الى بغداد وعملت مع بعض الخطاطين هناك، فتعلمت بعض أساليب الخط وتقـنياتة، ولكني بقيت في عمل تجاري يسـتجـيب لمطالب الدعاية والإعلان، بينما تـنبض في داخلي احساسات عميقة بالرغبة في التعبير الفني، ويراودني باستمرار حلم الذهاب إلى باريس لدراسة الفن.
   
 بعد ثمانية أعوام من العمل كخطاط في بغداد سنحت لي الفرصة للذهاب إلى باريس عام 1969 فدخلت المدرسة العليا للفنون الجميلة ـ البوزارـ واثناء دراستي كنت أريد معرفة الفن الغربي منذ أصوله الاغريقية مرورا بفنون عصر النهضة الاوربي في القرن السادس عشر حتى القرن العشرين حيث تنوعت وتعددت الحركات الفنية الحديثة.
وفي ـ البوزارـ درست أيضا الـتقـنيات الأسـاسـية للعـمل التـشـكيلي في التصوير الزيتي وتحضيرالألوان، اضافة لدراسات جانـبـــية في المنـظورالهندسي، والمعمار، والموزاييك، والفريسك، ودروس نظرية متعددة.

      عندما تركت العراق كنت قد جلبت معي بعض أقلام القصب للخط، أعانـتـني على دفع مصاريف الدراسـة بعـمل بعض الخطوط العربية لصحيفة جزائرية تصدر في باريس.

  دراسـتي في ـ البوزارـ استـمرت خمس سنوات، في عام 1975 حصلت على الدبلوم الوطني العالي للفنون الـتـشـكيلية، ولكن في ذلك الوقت بدأت اشعرانني اتجه نحو طريق مغلق وأحســسـت بضرورة إيجاد اسلوب شخصي، فاتجهت أولا نحوالتأثر بفـنانـين أعطوا أهمية للتعبـير في رسومهم بخطوط قليلة، حركات تبسط الشكل في اقل كمية من الخطوط، ثم بدأت انظر للفن التجريدي واهتم به محاولا إدراك ُكنهُ ما أراه، وفي هذه اللحظات بدأ الخط   العربي يدخل لوحاتي،  فشعرت بالسعادة لهذا الاقتراب من الخط، ولكن الخط في البداية كان مجرد مادة تزويقية ، اذ مازلت استعمل المادة الزيتية وقماش اللوحة واللذين لايتجاوبان مع الحس الداخلي العميق عندي، فأدركت ان المادة التي ُتستخدم في انجاز العمل الفني هي شي مهم جدا.

 بعد العمل لمدة ثماني سنوات كخطاط في بغداد ثم خمس سنوات لدراسة الفن التـشـكيلي في باريس. كنت اشعر في عام 1975 باني لست خطاطا بالمعنى المتعارف عليه تقليديا ولست فنانا تشــكــيلياً بمستوى الدبلوم العالي الذي منحتني اياه ـ البوزارـ فالخط الذي كنت أمارسه في بغداد لم يعد يقـنعني والتصوير الزيتي الذي علمتـني اياه ـ البوزارـ كذلك.
مالعمل اذاً؟ والى أين الذهاب؟ تذكرت آنذاك مثلا افريقيا يقول: ـ عندما لاتعرف أين تذهب تذكر من أين أتيت ـ فبدأت ادرس الخط العربي من جديد.
ماهو الخط العربي؟ ومن أين ياتي؟ كيف عاش الألف سنة الأخيرة؟
 خلال ســت سنوات أقدمت على تحليل كل الوثائق التي استطعت دراستها في الكتب وفي المتاحف، أوعلى جدران المعالم المعمارية. ثم ذهبت اطرق أبواب اخر كبارالخطاطين، كالخطاط حامد الامدي في اسطنبول  ومجموعة من خطاطي القاهرة، طارحا عليهم الأسئلة حول ما لم اتمكن من إدراكه.
ثم إن الثـقافة التاريخية والمعرفة الـتـشـكيلية التي حصلت عليها في ـ البوزارـ أعطتـني منظاراً آخر لرؤية الخط العربي القديم، فبدأت أتحسس الفروق الرهيفة في هذا الفن، وملخص نتيجة هذه السنوات الســت من البحث صدرت في كتاب اسمه ـ الخط العربي ـ ظهر بباريس عام 1981 يتـناول لمحات عن الجوانب التـقـنـية والتـشـكيلية والاجتماعية  باللغـتـين العربية والفرنسية، مع صور وخطوط متعددة.

 وفي هذه الفترة، أي في بداية الثمانــيــنات،  تركت الزيت والقماش ورجعت إلى الحبر والورق، بدافع من رغبة داخلية غامضة.  ولكني الان اشعر بان الحبر والورق هي مواد الكــثـيـرمن الفنون الشرقـية،   بينما الزيت والقـماش رافـقا مسيرة الفـن الغـربي منذ قرون عديدة.  وحتما إن المادة اللونية تلعب هنا دورا نفـسـيا، فالماء الملون ليس كالدهن الملون، والورق الذي يمتص جزءاً من الحبر ليس كالقماش المغطى بمادة صمغـية تمنع امتصاص الألوان.
 وفي هذه الفترة أيضا قررت ان أعمل تكوينات تجريدية أساسها الحرف العربي ولكن دون أي معنى غير شكل الحروف، اكـتـشـفـت بعد فـترة قصيرة إن هذا الطريق لايناســبـني، لأني أضع اشكالا ً تـتـشـابه باسـتـمرار أي إنني أضع دائماً التساؤلات نفسها والأجوبة نفسها من الناحية التــشــكيلية، بـيـنما إن الكلمات يمكن ان تفرض بمعناها اشكالاً لم أفكر بها مسبقا. مثلا ً إن النارمن طبيعتها الصعود إلى الأعلى، وخط هذه الكلمة يوحي بتكوين عمودي يرتفع بيـنما  خط كلمة ماء سيأتي بشكل أفقي، يود الهبوط الى الاسفل.
وهنا جاءت الحاجة إلى نصوص لخطها، أي عبارات سأخطها؟ فضرورة التحطيم للعبارة وإعادة بنائها تـتـطلب أن أجد نصوصا أدبية يمكنها تحمل هذه المعاناة. وهكذا فرض الشعر العربي دوره،  كمادة أدبية لعملي الفني.
 أولا، لان الشعراء سوف يزيدونني ثراءً بصورهم وأفكارهم وأحاسيسهم. وثانياً لان الشعر يعطي للتعـبـير الـتـشـكيلي الحرية في كسر الكلمات من جهة وإعادة بنائها من جهة اخرى.
فالشعراء هم أيضا يلعبون بالكلمات.
وهكذا فان توجهي نحو الشعر فرض علي تأمل المنظر الشعري العربي منذ الأفق البعيد الذي يتــيه في لانهائيات الفضاء الصحراوي، أي منذ زمن المعلقات.   
في الوقت الذي عبر فيه العرب القدماء بواسطة الشعر كان الخط في طفولته، لكنما الابداعات الشعرية آنذاك كانت تخفي بداخلها ما سوف يكون عليه الخط العربي فيما بعد. لا نهما كليهما يفخمان الشكل ويحجبان المعنى.
 الشعراء العرب القدماء الذين الذين كانوا يعيشون في الصحراء تركوا  لنا  أشعارا تجعلنا نشعر بالفضاء الواسع، فالزمن والفضاء الصحراوي كانا  لانهائيــين، وكان كل إنسان هناك يشعر بألامتلاء لانه مركز دائرة واسعة يرسمها الأفق ، فالمسافة نحو كل الأفاق ومن كل الجهات في الصحراء متساوية إزاء عيون الإنسان،  والإنسان يكون وسط دائرة فسيحة جداً يحاور الضوء في النهار والنجوم في الليل.
الشعر العربي ماقبل الاسلام كان في أكثره إنشــادا، وقد صاغه الشعراء كالحلى، أو كتكوين خطي ماهر، وجعلوه يعكس هذا الفضاء الصحراوي، بأسلوب رزين وكلام بسيط.
هنالك شئ مهم في الشــعر يقترب من الخط، فالشــاعر لايبـوح بكل الكلمات ولا يعطي كل المعاني، إنما يترك لذكاء السامع إكمال الصور الشعرية، وإعطاء معنى قد يختلف عما أراده الشاعر، فيسمح له بان يلبي رغباته الذاتية، وبالتعـبـيرعن احساساته وأفكاره الشخصية. فتـمتـزج كلمات الشاعر بافكارواحساسات السامع.
وهذه الإمكانية المعطاة للقارئ ما بين الكلمات، لكي يخلق صورهُ هو أيضاً، لها أهميتها الكبرى للإنسان، لان العقل البشري بحاجة لتحرير صورُه وأفكارُه وإخراجها كل يوم، وهكذا إن الشعر يكون هنا ككل الأعمال الفنية، يعطي للإنسان امكانات إخراج فيض العواطف من القلب، وبالشعور بأنه هو نفسه شاعر، عند سماع أو قراءة الشعر.
الخط يشارك الشعر جوهريا في هذه القدرات التعبـيرية. ولما كانت كل الفنون أخوة، وكل فن يضئ الطريق للاخر فان اقـتراب الخط من الشعر يزيد من قدرات التعبـير التــشــكيلي للخط.

 اتجه دائما نحو الشعراء، آ ملا ان يغذواعملي التــشــكيلي بصورهم الشـعرية، وهكذا تمكنت باستمراران أجد أجواء جديدة، فاني ابحث عن الإيحاءات ككل فنان، ورغبتي أن تلــتقي صوري الخطية بصور الشعراء لكي يولد طريق جديد، أريد أن أضع صورا مرئية بجانب صورهم الافتراضية.
واني متأكد هنا من صحة استعمالي كلمة ـ صورـ عند التكلم عن الخط، فبالنســــبة لي الكتابة هي بنت الصورة، فالكتابة السومرية والمصرية القديمة لم تكن إلا صور مبسطة،  والحروف الأبجدية  فيما بعد كانت كذلك، والخط ماهو إلا جوهر صور، ولكن أي نوع من الصور؟ إنها صور أصلية وليست صوراً طبيعية أو فوتوغرافية، صور كالعلامات تنـشـط نظر وتفكير المشاهد.

                                                       *                     

مابين عام 1972 وعام 1985 شاركت مع الممثـل الفرنسي كي جاكه والموسيقي فوزي العائدي بإقامة حفلات في قاعات مليئة بالحضور. كان الممثـل يقرا الشعر باللغة العربية  واللغة الفرنسية، والموسيقي يعزف ويغني المقاطع الشعرية نفسها،  وأنا أخطها على جهاز يعكس الخطوط على شـاشـة  كبيرة كالســينما،  وقد لاقى هذا العمل نجاحا فرض علينا الإبداع والابتكار المتواصل.
من خلال الاحساسات المكثـفة داخل الصالات وجدت نفسي اقترب في خطوطي من الموسيقى تارة، وتارة اخرى من نص الشعر،  فأصبحت خطوطي ملتــقى لأكثر من فن لوأضفنا صوت الممـثـل وقدراته التعـبـيــرية.  فكنت أسرع أحيانا للحاق بزملائي،  مما جعلني اكسر العهد الذي  فرضته علي مهنة الخط بالبطئ في الإنجاز، ولكني كنت واعيا بضرورة عدم التضحية بجماليات الخط  العربي، فالاسراع نعم، ولكن بشرط الحفاض على هذه الجماليات.
 في الخط أمام الجمهور وتحت تأثير مشاعر مختلفة، وتحت رقابة عيون مئات الأشخاص في القاعة تبرز صعوبات جديدة كل مرة، فالضوء المسلط علينا لكي يرانا الجمهور في صالة مظلمة، يكون بالنسبة للعيون كالنظر با تجاه قرص الشمس المحرقة، وهنالك المفاجئات الغير منتظرة، فكل ماهو مفاجئ في العمل الفني الحي أمام الجمهور تتطلب مواجهته طاقات واسعة، يبحث عنها الذهن والجسم هنا وهناك لحظة الخط. ومقابل هذا الكفاح تأتي لحظات حاسمة يولد فيها مالم يكن منتظراً، إذ تتداخل الفنون فيما بينها بما هو أساسي وجوهري.
وبعد هذه التجربة التي امتدت اثـني عشر عاما، قدمنا خلالها العشرات من الحفلات الثـقافـية، وجدت ان معالجات جديدة للحرف أخذت تظهر في خطوطي على الورق، ففي هذه الحفلات كان الشعر يتكلم عن الألم ويدعوا للأمل.فتخللت خطوطي حالات متنوعة المظاهر كفصول السنة، حيث إن الشتاء الحزين يختفي ازاء الربيع الزاهر. وهكذا كنت اعكس في خطوطي التي اعملها بمرسمي الشحنات الدراماتيكية لهذا العمل الفني امام الجمهور. فان كان الشعر يعكس الألم استعمل آلات عريضة تغلق الفضاء وتـثـقـل التكوين، وان تحشرج صوت الممثل تبطئ يدي في هدوء وقور، ولكنه إذ يغضب ويثور تتبعه اليد في حركات هوجاء. كنت أحاول أن أزج الخط العربي القديم نحو تعبير خطي جديد يوازي التعبير المسرحي للممثـل والموسيقي.
وفي كل اسبوع كنت اعتزل وحيدا بمرسمي لبضعة ايام،  لأعمل خطوطا على الورق، فلاحظت تدريجيا مدى التأثر والتبادل مع ما أعمله على خشبة المسرح، فتركتُ هذه التأثيرات تأخذ مكانها في أعمالي الخطية على الورق، وتدريجيا أخذت الحروف العريضة والحركات الراقصة تكون تشكيلاتي الخطية، خطوط  حديثة. ولكن  تجاورها دائماً بعض السطور من الخط الكوفي القديم، لعدم الـتـنكرلأول خط عربي يقترب من الرسم. والخط الكوفي في لوحاتي الخطية يكون كخط أفق تحت الكتلة الخطية الموضوعة كتـمثال كبـير في الصحراء.
 خطوطي الحديـثة تبـدي بوضوح انتماءها للخط العربي، لأنها نابعة من كل ماتعلمته اثناء عملي مع الخطاطين لكنها بنفس الوقت لا تشـابه الخط العربي المعروف، فبعد سنين عديدة من الاغتراب لايمكن أن يبقى الإنسان كما هو سابقا، فالخط ماهو إلا مرآة تعكس حياة الخطاط نفسه.

 لو نمعن النظرجيداً في كل الخطوط القديمة، فإننا سنرى انه في كل قرن شهد الخط العربي تحولات وابتكارات، وفي كل منطقة جغرافية سافر اليها الخط

العربي ظهرت عليه ملامح تحولات لم تكن متوقعة وعلى سبيل المثال فهل يقبل الخطاط الكوفي القديم ماعمله المهني في الطابوق بما يسمى الخط الكوفي الهندسي؟
لا اريد هنا القول إن على كل الخطاطين أن يتركوا أساليبهم التقليدية نحو خط حديث، فنحن بحاجة لان يمتلك الخط العربي تيارات متعددة، وغالبا ما ارجع للنظروالتمتع بما تركه لنا خطاطون كبار كالاماسي والحافظ عثمان وراقم وهاشم. وأثمن وأقدر كذلك محاولات جديدة داخل نطاق الخطوط الكلاسيكية لخطاطين معاصرين. أراها هنا وهناك في بعض البلدان العربية والإسلامية.

                                                      *                    

أعود ألان لأذكر بعض الشعراء الذين دخلوا في خطوطي بأشعارهم، وعلى سبيل المثال منصور الحلاج من القرن العاشر، حيث يبتكر في شعره وببضع كلمات تكويناً موسيقياً كديكورعالٍ مليء بالانفعالات، اسلوبه الشعري لايشابه أي أسلوب اخر بقوة صوره الشعرية وتكويـناتها المتـناظرة، أبياته الشعرية المدهشة تطرب الإذن كما يقول مثلا: 
روحه روحي وروحي روحه      إن يشـــــا شـــئت وان شــــئت يشــــا 
كلماته المتــقــابلة كالمرآة ألهمت الكثــير من الخطاطين في الماضي ، وفتحت أسلوبا بالخط، كما نرى في اللوحات الكثــيرة التي تزين الجامع الكبير في مدينة بورصة بتركيا. ولكن هذا الهدوء في التـناظر في شعر الحلاج يخفي انفعالات واندفاعات آتية من الداخل مما يميل بخطورة الخط الشاعري كالقارب المتماوج وسط العاصفة:
مازلت أطفو في بحار الهوى      يـــرفــعــني الموج وأنـــحـط
فــتارة ً يرفعـــني موجـــهـــا      وتـــارة  أهوى  وأ نــغـــط 
إن صورة شعرية كهذه لايمكن خطها دون التأثر بعواطف قائلها، ولا يمكن للخطاط أن يتجاهل الانفعالات للشاعر، ففي عبارة كهذه تكون أحاسيس القلب طريقا ً للمعرفة، ولاسيما إن هذا الشعر واضح ويتميز بالبساطة الموسيقية. ويقـترب شعر كهذا من الخط عبر التنغيم الموسيقي والهندسية للشكل العام، كما انها كلمات ـ مسموعة كانت أو مكتوبة ـ  تخفي أسرارا تجعل كل واحد يفسرها حسب وعيه لها. وهكذا فان هذه الأبيات دخلت عالم الفن بسبب كونها تسمح بتفسيرات متعددة.

مثال آخرلشاعرآخرعملت له خطوطا أيضا وهو ابن زيدون  ـ  القرن الحادي عشرـ  ترك لنا ديوانا ًكبيراً يتناول قسم منه حياته السياسية، لكنما الجانب الخالد من أشعاره ماهوموجه للأديبة الشاعرة ـ ولادة بنت الخليفة المستكفي ـ وحبه لها. فقد كتب لها أشعارا طيلة حياته، تعتبر اليوم من الأبيات التي تمتاز بالقدرات الجمالية العالية في بناء الشعر العربي. فإزاء الم الفراق يوجه ابن زيدون كل أحاسيسه نحوالابتكارالفني، فان يرى غيوما تمرفي السـماء يكلمها:  
ياساري البرق غاد القصر وأسق به        من كان صرف الهوى والود يسقينا  
     ان هذه الصورة الشعرية عند ابن زيدون إنما انبعــثـت من أحاسيس القلب مباشرة، لشاعر هضم الـتراث الأدبي العـربي الـقديم، وكل صور ابن زيدون ملونة وديناميكية، فبمجرد ان يمر النسيم يكلفه ابن زيدون بنقل رسالته إلى ولادّة: 
ويانســيم الصــبا بلغ تحيـتـنا        من لو على البعــد حيا كان يحـيــينا  
وأمام الآلام القلب يجد الشاعر مايؤاسيه في الخلق الفني، بكلمات عفوية بسيطة، إذ يرى ـ ولادّة ـ عبر كل مظاهر الطبيعة.
 وهكذا، إنني دائماً أرى منظرا طبيعيا عند قراءتي لأبيات ابن زيدون، فأشاركه الأفراح والأحزان والأمل. وتدخل هذه الرؤى خطوطي فيما بين الحروف ومعنى الكلمات.

                                                 *                     

      كيف يتحول بــيت من الشــعر إلى لوحة خطــية؟
 كيف تتحول الكلمات إلى تكوين خطي؟  بالنسبة للخطاط في الماضي إن أراد ان يخط بيتا من الشعريختار اسلوبا كالـثـلث أو الديواني أو الفارسي …الخ، ويحاول إتقان الخط بشكل يوحي باحترام القواعد المعترف بها من الكل، وان ما يضيفه الخطاط من عنده، إنما هو إعطاء الخط حيوية وقوة أكثر مما يستطيع من جهة، ومن جهة أخرى يحاول ابتكار اشكال جديدة للتشــــكيلة الخطية، بإيحاءات طرق كبار الخطاطين القدماء.
بالنسبة لي فأنني استخدم الخط بطريقة أخرى، وتغلب على خطوطي تأثيرات المناظر والصور. ابتدئ دائما بتخيل الصورة الشعرية وانتظران تفرض احدى الكلمات نفسها لكي أكبرها وأعطيها مظهرا جديدا، أحسب عدد الحروف المستــقــيمة ثم الحروف المنحنية لكي أكوّن بناء متــناغما من خلالها، فأبقى أتصورأشكالا مختلفة لهذه الكلمة، أفكر بها بكل الأساليب التي اعرفها، فاعمل بقلم الرصاص تخطيطا سريعا للشكل الجديد، أغير أشكال بعض الحروف التي لاتريد المشاركة بالشكل العام، أو أبدل مكانها في الكلمة. وكمثال يمكن رفع حرف الالف من أول الكلمة وتصعيده الى الأعلى ليساهم في بناء سقف التكوين الجديد، ولا أنسى في هذه اللحظات الصورة الافــتراضية للشــاعر، وأخمن بالحدس ما أراد قوله خلف الكلمات.
 في البداية دائما ماتكون الصورة الشعرية غير واضحة لي، بعض السطور تظهر أسرع من الأخرى،  أحيانا في أول يوم وأحيانا لشهور، وهذا البطء يعني إنني لم استطع حل لغزالبيت الشعري ولابد من الاصرارعلى الاستمرار في البحث.
الحروف عندي ليست مجرد كتابة إنما هي عمل فني بحد ذاتها، والحرف هو نفسه طاقة، ولابد ان يعكس شـيـئـيـن، الأول هو القوة والدقة والثاني هو الاسترخاء والرهافة، فيجب ان يعكس الحرف مسيرته هو نفسه، الدفع مرة والسحب مرة اخرى،  السرعة أو البطء، الثقل أو الخفة، الاستقرار أو الانفجار.
 إن عملية ولادة خطوط جديدة هي معاناة أيضا، إذ لابد من المروربحالة التمرد على الخط القديم والانفصام عنه، ومن ثم العودة للحوارمع هذا الخط القديم نفسه،  ففي يوم اشعر باني مع الخط القديم وفي يوم اخر أجدني بموقع مضاد له. أدرك جيدا ضرورة الاستلهام من تركة الخطاطين القدماء، ولكن في الوقت نفسه أريد التغلغل عميقا في الحياة المحيطة بنا، ومعرفة موقعـنا في العالم، ودورنا الثقافي نحو مجتمعنا ونحو البشرية جمعاء، وهنا تبرز كلمة رهيبة للفــيلســوف الصيني كونفــســيوس: ـ من لايتقدم كل يوم، إنما يتراجع كل يوم ـ

                                           *                   
 إن معرفة تحضير المواد لمهنة الخط ضرورة لابد منها، فالخطاط القديم كان يحضر أقلامه وحبره. مثلا إن قلم القصب يبقى رفيعا بالنسبة لحجوم لوحاتي، وأردت أن أعمل آلات تخط مباشرة بالعرض المطلوب.  فقد شاهدت في عام 1979 أكثر من مائة خطاط ياباني جاؤوا إلى باريس للخط أمام الجمهور في جامعة السوربون،  بقوا اســبوعا كاملا شــاهــدت خلاله كل هولاء الخطاطين يضعون أوراقهم الكبيرة على الأرض،  وبفرشــاتهم  ا لعريضة كالمكنـسـة الكبيرة،  يرقصون بحركاتهم الخطية كالـبرق الســريع على الورق. ومنذ تلك الســـنــين أعمل خطوطا عريضة بشــكل مباشــر، محاولا الاســراع  قدر الامكان، وابتكر الالة للخط  بالعرض المطلوب. فالخط العربي التــقـــليدي يخط بالقصبة، بينما كل الخطوط العريضة التي عُملت على الجدران كانت  ُترسم وُتملا بفرش دقيقة.
 وأعرض آلة عملتها أنا لحد الان كانت بعرض 50 سنتمتر والخط المباشرعلى الارض كان على ورقة بقياس 3 أمتار × 5 أمتار.
إن رؤية الخطاطــين الـــيابــانيـــين أثمرت بعد سنوات عديدة. وهكذا إن تقـنيات الخط الياباني أضافت جديدا لتـقـنيات الخط العربي.  ثم إن ماعـملته لايمت شكليا بأي صلة للخـط الياباني، إنما هو خط عربي حديث وان الخط الياباني اعطاني فكرة فقط ، فكرة الخط العريض والسريع، فكرة لاقت لها صدى في احساساتي الداخلية.
أكثر خطوطي أعملها بآلات مصنوعة من الكارتون السميك أو الفرش، الات تشابه منقار القصبة الخطية المعروف سابقا ولكن مُــكبراً عشرات المرات. أغمسها بالألوان وأسحبها ضاغطا على الورق، دائما ابتغي المحافظة على مظهر للحروف يوحي للمشاهد بان هذه الحروف آتية من الخط العربي. وذلك عبر الانحناءات للالة على الورق. بعض الحروف تشبه تماما شكل الحروف القديمة وأخرى تغيرت بســبب الظرف الجديد، أحاول ان أبقي على اشكال الحروف من حيث شكلها العريض والرفيع حسب قوانين الخط العربي القديم، كما أعي ضرورة الابقاء على كل ما هو جوهري في الخط العربي، أحاول ذلك قدر الامكان وأود ان يبقى هذا مرئيا ً في خطوطي، فالهدف بالنسبة لي هو إضافة تطوير وتـجديد في الحروف العربية  كما حصل باستمرار في تاريخ الخط العربي  بالماضي، وكذلك أريد فتح مجالات جديدة للخط  تتلائم مع حياتنا المعاصرة  كادخال الخط في العمل المسرحي مثلا. أريد أن تكون خطوطي نابعة من الخط العربي القديم ولكن لاتشابهه. اهتم كذلك بفضاء الخط العربي، أي البياض المحيط بالشكل للحروف. أرى التكوين الخطي كشجرة وحيدة في فضاء الصحراء حولها وخلفها فراغ لاحدود له.
 هنالك أشياء كثيرة آتية من الخط العربي القديم تبقى تفرض جمالياتها، كالأناقة  التي صاحبته منذ البداية، وغلبة الاستدارات في أكثر أساليبه واتصال الحروف ببعضها، فيكون للكلمة مظهر جسم  مكتمل، والمقادير السليمة التي درست منذ قرون عديدة، أي نسبة الطول للعرض … والخ، كل هذا الحساب يتم من قبل الخطاط نفســه بتخمين وحدس شخصي و يرتبط بذوقه وثقافته.
 في الخط الحديث يمكن ان نستـفـيد من كل هذه الـتركة الـثرية ، وان نضيف لها كل ما تعطينا الحياة المعاصرة ، من معلومات وثـقافة جديدة واكتـشافات بمجال الفضاء، اهتم بالفضاء في كل خط أعمله وأرى اشكالي الخطية كتماثيل عالية في السماء، تقاوم ضغط الفضاء وتكافح ضد سحب الجاذبية الأرضية.
 استلهم من الطبيعة اشـكالها، فكم من مرة أرى منظر شجرة مائلة يثــيرعندي الحزن لأنها توحي بالسـقوط بينما تتجول عيوني نحو شجرة أخرى منتصرة في الصعود، يدفع النســغ أغصانها نحوالأعلى، وعندما أرجع لمرسمي أحاول إن أجد مظهر تلك الشجرة الزاهية، فأعمل الحروف كالأغصان، فالخط هو فن يعكس ماهو جوهري، وليس ما هو منظور طبيعيا، وصعوبة عملي الخطي انه يحاوراللامرئي دائما، أي إنني أريد إن اسـتلهم من الاشكال ما هو خلف المظاهر كالهياكل. مثلا هيكل دارهوالقوة في الأعمدة وليس الشكل الكامل للدار.
 عندما أريد الخط وتتراءى في ذهني الاشكال واضحة، أجد إن ولادتها على الورق شئ آخر، وعلى الرغم من كل التحضيرات لولادة سهلة.فربما ان المادة الصمغـية لاتـتعايـش مع مادة البودر الملون، أو ان الآ لة تكون يابسة وتجهض عملية الخط.
 أحيانا أخرى على العكس، فبعد نهار كامل من العمل المتعب تأتي لحظات استرخاء، حيث تكون الحركات لا أبالية وغير مطيعة فتعطي شكلا مدهشا، تكون بالنسبة لي مفاجأة غير متوقعة، إذ أجد خطوطا تـتمتع بحرية واسعة، حركات طائرة دون خطر السقوط، خطوط عريضة جدا ولكنها ليست ثـقيلة، رهيفة ولكنها لاتـنكسر، وكلها بقياسات صحيحة وسليمة.
وفي اليوم التالي أتحضر للاستمرار في  نفس ما عملته بالأمس، وأعتـقد باني وجدت أسلوبا حرا رائعا، ولكن هيهات، إذ لابد من العودة إلى البداية من جديد، ولاياتي شيء يشــابه الاندفاع الحر بالأمس، فان الجمال يأتي ويذهـب عندما يقررهو ولسـت أنا.
 وهكذا أعود للبداية من جديد، أعمل تخطيطات للكلمات، أتخيل الشعر وصوره، أبحث عن الكلمة التي يمكنها ان تصعد عاليا بثـقلها دون السقوط، وبحركة ديناميــكية دون كـسر للشكل، أدع اللون يخـترق اشـــكال الحروف، وعبر هذه الحروف الصاعدة أتحسس الفضاء البعيد خلف الكلمة الكبيرة.
  كلمة مبسطة ولكن هذا التبسـيط ليس تـفـقـيرا لها، كلمة مجردة ولكنها توحي بصورة ما. وتبقى دائما في عملي الفني إمكانية العثورعلى الحروف وتهجي الكلمة.
 اشعر وأدرك باستمرار ان طاقــاتي الـتـعبـيـرية تـتـأثـربالمجموعة البشــرية التي انتمي إليها، وأدرك أيضا إمكانية الـتـأثـيرعليها بعملي الفني.
 الهدف أيضا من الخط كل يوم في بناء اشكال متيـــنة إنما هو بــبـناء نفســي من جديد كل يوم، وكل بحث اقوم به للإتــقان، فإن ما أريده ايضا هو ان أكون أنا نفسي متـقـنا. لذلك لابد ان يكون الهيكل الهندسي واقفا بتعادل ولا يوحي بالسقوط، وان لا أحقق التعادل في خط الكلمة العالية فمعنى ذلك الفــشل، ولابد من إعادة الخط من جديد، ولكن هذا يوضح لي حدود امكاناتي كشخص، وان لاأصل هذا اليوم إلىالتعادل فمعنى ذلك فقدان التعادل في داخلي أنا أيضا. ولابد ان انتبه الى نفسي، وهكذا تكون تجربة الخط هنا معرفة للذات، وربما ستكون تطورا، ان انهض بعد السقوط للعودة للخط من جديد.
 التناقضات التشــكـيلية هي انعكاسات لتـناقـضات الحياة اوانعكاسات لتناقضات نعيشها نحن كأشخاص. كل هذه التجارب إنما هي الرغـبة في التطور، ولايوجد تطور دون سقوط ـ فالســقوط ليس فــشلا، انما الفــشل ان يـبقى الانسان حيث سقط ـ كما يقول سقراط. الخط يســمح بالســيطرة على طاقات الجســم وقيادتها نحو الحركات المضبوطة، فعندما تكون الكلمات خفـيفة يطـير معها، وأحيانا يصبح الخطاط ســيد نفــسه ولو للحظات قصيرة.
ولكن في كل عودة جديدة للخــط لابد من التـفكير بتغـيـيرالاتجاه ، فربما سيكون من الأفضل اختيار البطء بدل السرعة، ولكن السرعة تبقى دائما من اهتماماتي الآنية، إذ أنها تعكــس الزمن المعاصر، وبالتالي تســمح بقطف فاكهة الاندفاع الداخلي. تســمح للاحســاســات بالمرور بســرعة امام الفــكر وعدم الرضوخ لطغيانه باستمرار. كما في الموسيقى المعاصرة اوالرقص الحديث، عندما انظر إلى الراقص يطير في الفضاء اشعر وكأنه يترك جسمه يخط الكلمات في الفضاء ولكن كيف يمكن الطيران بحرية دون السقوط؟ 
كيف تعمل الطيور؟ لابد من طاقات كبيرة للتغـلب على الجاذبــية والسـماح للاحساسات الجسـدية بان تخط بسرعة فائــقة، أريد لخطوطي إن تعكــس انتماءها للـقرن الواحد والعشــرين، هذا الــقرن الذي يعيـش عصر السرعة سرعة أوصلت الإنسان إلى القمر.
                                    
                                                             
                                                                          
 حسن المسعود ـ باريس 2002

 

=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0

00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 
 =0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0=0
 

 

التكوين في الخط العربي

 

بقلم : حسن المسعود

 

إن الخط العربي كسائرالفنون الأخرى شاهد على زمانه. فهو يرينا بوضوح فترات الحركة أو الجمود في المجتمع الذي ولد فيه.  فكلما كثر الإبداع في زمن ما، عكست الأعمال الفنية روح وجوهر المجتمع وحيويته في ذلك الزمن. وكلما ركدت الفنون ولم تعد سوى تقليد لما سبقها، فأنها تسجل بذلك مرحلة تخلف وجمود المجتمع في تلك الفترة.
 إن ما يمكن الحديث عنه هنا في هذا المقال هو مظهر التكوين في الخط العربي فقط ، أما الجوهري فلا يمكن التحدث عنه بالكلمات فهو من مجال الفن، ولأن  تحسـسه يكمن بتـذوقـنا له. تذوق عبر الرؤيا.
ابتدأ الإبداع في الخط العربي أواخر القرن السـابع في خطوط قبة الصخرة بالقدس. خطوط لازالت موجودة حتى يومنا الحاضر. حيث تغـيرت اشكال الحروف بسبب عمل الحروف من الاحجار الملونة على الجدران. أي ان تغير مادة الكتابة من الحبر الى مادة اخرى، فرض اعادة خلق الحروف من جديد. وفي خطوط محراب مسـجد قرطبة في القرن العاشر الميلادي نرى الكلمات ألتصقت الواحدة بالاخرى والغى الخطاط الفراغ التقـليدي بين كلمة وأخرى. وهنا نرى ان التصرف والابداع يتمـيز بجرأة، واسـتمر الخلق الفني وتجاوز الماضي حتى زمننا الحالي  في مسـيرة مد وجزراستمرت لاكثر من ألف سـنة من الابتكار واعادة الخلق لنفس الحروف. الابتكار في محراب مسجد قرطبة لايعود فقط لقدرة الفنان فقط، انما لتشجيع المسؤولين ايضا. يقال ان الخليفة الحكم الثاني. استغل علاقاته الدبلوماسية مع الامبراطورية البيزنطية، لارسال باخرة مليئة بالاحجار الملونة، كي يستطيع العمال والخطاط تنفيذ تلك الخطوط الجميلة، التي لازالت تبهر المشاهدين منذ الف سنة.

وقد ترك لنا أجيال الخطاطين من القرون الماضية آلآف الخطوط الجميلة في الكتب وعلى الجدران.  ولكن إبداع الخطاط في كل الأوقات احتاج للتـشـجيع المادي والمعنوي من قبل الجمهور، ومن قبل المؤسـسات الفـنية. وعندما يـُفـقد التـشجيع فلا يوجد إبداع وإنما  التــقـليد للماضي يظل مهيمناً، أي المراوحة بنفـس المكان، رغم أن عجلة الزمن تدور.
 في اكثر الأوقات يصطدم المبدعون بعدم الفهم من المجتمع. وما يجذب انتباهنا هو أننا نرى اليوم في بعض الخطوط القديمة قيمة فنية عالية جداً، ونعتبره غاية في الجمال، ولكن ربما لم يكن ينظر اليه كذلك في زمن ولادته، إن الإبداع  يكون دائما غير معروف مســبقا. بل ويأتي في اغلب الأحيان من أماكن مجهولة وغير متوقعة.
ولكن ما هو أكيد ومعروف أن الإبداع كان يأتي دائما في زمن تفــتح فيه كل الأبواب أمام الفنانين دون رقابة ودون توجيه صارم.
يزدهرالإبداع في زمن يتولى فيه الدفاع عن الطليعة الفنية بعض  المثقــفين أو المتنورين. كقول الشاعر طاغور:
 إن تغلـقوا أبوابكم أمام كل الأخطاء فأن الحقيـقة ستـبقى خارجا
  فلابد للفن من حريات واسعة.
وهناك حكيم آخر قال نفس الفكرة  ولكن بعبارة أخرى:
 ” اتركوا في حديقـتكم مكانا للأعــشاب الرديئة
 اكتب هذين العبارتين للقول مرة أخرى انه لا إبداع دون حرية تعبير فني تفسح المجال لكل الاساليب. وتشجع كل التيارات حتى لو كانت كالأعشاب الرديئة في الحديقة الجميلة.
يحكم البعض على الفن انطلاقا من فن الماضي فقط. ويقارن الأعمال الفنية لهذا العصر بما تحويه المتاحف من روائع، ونرى هذه الظاهرة كثيرا عند الذين يحكمون على الخط العربي وجودته مقارنة بخطوط الماضي. أو بالأحرى مقارنته بخطوط القرن التاسـع عشـر،  ومع احترامنا للماضي فاننا لا نريد العيــش فيه.
 وتأتي هنا مقولة كونفسيوس:
من لا يتقدم كل يوم يتراجع كل يوم  
 إذ لا يمكن اليوم معرفة ما هو فن اليوم بشكل مسبق. فن اليوم وخط اليوم هو ما يمارسـه الخطاطون والفنانون الذين يعيـشون بيــننا. وبعد مرور الزمن سيــبقى الفن الجيد وينـسى الرديء. وهذا هو المهم.
في كل البلدان المتقدمة في العالم، تعمل المؤسسات الثــقافية على جعل نصف مجهودها يتوجه لحفظ الماضي، ونصف يبحث عن الجديد. وهكذا يولد الحوارمع الماضي وينمو النشاط الذهني والحسي لمن يزور المعارض، ولمن يقرأ النقد في وسائل الإعلام.
عندما ننظر إلى تركة الخطاطين القدماء، في الكتب أو على جدران المعالم المعمارية للزمن الماضي. نجد أن هنالك تيارات متعددة في الإبداع الخطي. في فترات زمنية كانت فيها المدن القديمة في تفـتح وتفهم للخط وللفن بشكل عام اكثر بكثير من اليوم.
 هنالك مراحل زمنية يكثر فيها الإبداع وأخرى يقل. ولكن ما يلفت النظر عندما ننظر إلى  خطوط الماضي، هو رؤية تكوينات مخـتلفة وعلى مواد عديدة في المتاحف والبنايات في المدن الإسلامية  القديمة. بينما لو ننظر اليوم بشكل عام على مستوى الملايين من البشر في العالم العربي الإسلامي،  لنجد أننا اليوم نمر في اكثر الفـترات فقرا في الإبداع في فن الخط العربي. وهذا يعني أننا في حالة ركود على كل المســتويات، فالفـنون هي شهادة على المجتمعات التي ولدت فيها، بخصوبتها أو بانحسارها.

1

التكوين في الخط، هو تجميع كلمات فيما بينها، بهدف جمالي بحت، وعلى حساب القراءة للعبارة المخطوطة، اذ تنتهي العبارة متلابسة ومتشابكة وغير مقروءة.
هناك رغبة جمالية في خيال الخطاط تدفعه إلى تغيــيرمكان الكلمات والحروف. فيقرب الأحرف المتـشـابهة ويجعلها تـتعانق فيما بينها. يبعد المتـنافرة منها ويصغر من حجمها، ويبـني تكويناً هندسـياً أساسـه الحروف العمودية الصاعدة والحروف المســتقيمة والمدورة.
النظر للتكوين الخطي يكون بشكل كلي، وليس جزئياً ولا يجب رؤية الكلمات والحروف بشكل منفرد، وبهدف القراءة. انما نلقي نظرة شـامله على كل الحروف بآن واحد وبهدف تذوق جمالي بحت، كما لو ننظر للشجرة ككل ولا ننظر لكل غصن او كل ورقة وحدها.
 ومن المفروض أن يعطي شكل التكوين للمشـاهد رؤى التوازن الهندسي والتناغم الموسيقي. عبر تعانق الحركات الخطية وثـقل وخفة الحروف. وعبر الامتلاء للحروف والفراغ حولها.
يستخدم الخطاط كل مهارته لإيجاد هذا الـتناغم. فيغير من شكل الحروف. أو يضع حرفا في الوسط يفـترض أن يكون في آخر الكلمة. فكما هو معروف لكل من يكتب العربية أن الحرف العربي يأخذ أشكالا متغـيرة إن كان في بداية الكلمة أو في وسطها أو في آخرها. فتكون هذه القاعدة غـير إجبارية عند الخطاطين في لحظات تخيل شكل التكوين. فيلعبون بالحروف كما يرغبون. ومن السهولة عندهم وضع حرف في وسط الكلمة، اعتياديا يوضع في آخر الكلمة.
 الهدف الأول من هذه التكوينات هو جمالي، أي إعطاء المشاهد هندسـية جديدة ونغم جديد ما بين أجسام الحروف والفراغات المحيطة بها. فتكون هذه التكوينات مبعث طاقات جديدة تضاف لذاكرة البشــر. فعندما يتحســس الفرد الجمال الفني، يتحول هذ الجمال إلى طاقة مقوية للانسان يستلمها عبر العمل الفني.
 وإن لا يمكن قراءة العبارة، فان ذلك لا يسـبب مشكلة للخطاطين، لأن هدفهم من عمل التكوين هو هدف فني قبل كل شيء وليس قراءة النص. خصوصا وان التكوينات تستخدم دائما نصوص وحكم مشهورة. فيصبح محاولة قراءتها من المشاهد نوع من النشاط الذهني. فبمجرد التعرف على بعض الكلمات يخمن المشـاهد بحدسه اي عبارة كتبت وبأي طريقة حورت، وهكذا يتحول هو بدوره الى مشارك في العملية الفنية.
يستخدم الخطاط كل ما أجيز له استعماله، كتطويل بعض الحروف بشكل أفقي أوعمودي. أو وضع مدات ما بين الحروف. وبدء العبارة من الاعلى نحو الأسفل أو العكس من الأسفل نحو الأعلى.
                                          *
هل أن ذكريات الماضي في فراغ الصحراء والكثبان الرملية الأفـقية المتموجة، هي التي دفعت الخطاط نحو التكوين الثابت المبني على هيكل قائم في الفضاء عاليا؟
                                            *                   
يبتدئ الخطاط بتخيل شكل هيكل هندسي ستوضع عليه الحروف. هندسية مبسـطة ودون حسابات رياضية. إنما بتقدير الشـكل وثـقله بالتحسـس والتخيـّل.  وهذا الهيكل الهندسي الوهمي هو الذي سوف يعطي التوازن  والنغم للتكوين. وكذلك ســيمنح القوة لتماسك الكلمات. وسـيكون هذا الهيكل اللامرئي كامنا خلف الحروف. تماما كما يختـفي الهيكل العظمي خلف عضلاتنا. وان هذا الهيكل الامرئي نفـسه سيكون سبب إعجاب كل من لا يقرا الحرف العربي،  أمام التكوينات الخطية. لان هذه الهندسـية  البدائية المبسـطة  هي لغة عالمية. والتوازن الذي تسـمح به الهندسة هو مصدر سعادة داخلية.

 ان مرونة بعض الأساليب الخطية، كأسـلوب الـثلث ساعدت على إنجاز التكوينات ذات الحروف المدورة. بينما اسـتعمل الخط الكوفي للتكوينات ذات الخطوط المسـتـقيمة.  وهكذا أن بعض الأسـاليب تسمح للخطاط  اكثر من غيرها بتحقيق رؤاه على الورق.
في البداية يتخيل الخطاط أشكال حروفه بهدف عمل التكوين،  كتمثال كبير من الكلمات، يقف على الأرض، ويصعد عاليا في الفضاء.
 يفكر الخطاط في بناء جديد للعبارة، ويتحسـس حروفه الصاعدة، والتي  ستواجه  ضغط  الفضاء، وشــد الجاذبية الأرضية. ومهما كان التكوين الخطي صغيرا فانه صورة لعالم اكبر. وهكذا تكون الأمور دائما في الخط، فان ابسط حرف يمثل في ذهن الخطاط عوالم  واسعة من الأشكال والمعاني.
يلتزم الخطاط بالأمانة في انجاز الحروف بأحسن مايتمكن، من اصغر حرف إلى نهاية التكوين. ولا يمكن أبدا الغــش في مجال الخط. فان لم يكن الخطاط على احسـن ما يرام. فان ذلك ســيبدوا واضحا في ضعف الحروف وهـشاشـة التكوين. إذ انه يلـتزم ذهـنيا وجسـميا وبكل احساساته في تركيز تام قبل بداية الخط. وان اختل تركيزه بسبب ما واضطرب فـسيكون ذلك واضحا للعين المتمرسـة، التي ســترى خطوطه فيما بعد.
لذلك فان الخطاط يبحث قبل بدء الخط عن جو هادئ. ويبدأ التمرين بخط كل حروف الالفباء للاسلوب الذي سوف يخط فيه، ويكررها  لساعات طويلة. حتى يشعر تماما بكمال قدرته وتمكنه من  كل الحروف. آنذاك يبدأ الخط.
إن هذا التمرين لن يكون تـقـنيا فحسـب، بل يقود الخطاط إلى أجواء داخلية هادئة وصفاء روحي. ورؤى تعلو إلى السـمو. فتـتيقظ عنده كل خلايا الجسم. وعلى الرغم من مظهره السـكوني الثابت، يبقى عالمه الداخلي في حركة دائبة. إن هذه الأحاسـيس  الداخلية هي التي تصب في الحروف وتغذيها بالطاقات العالية. فاليد تتحرك ببطيء لكن الفكر والأحاسـيس تتخيل الأشكال بسرعة.
عندما يكرر الخطاط عمل الحروف في التمرين فإنما يدفع الذهن إلى الذهاب في أماكن فسـيحة واسعة وفارغة. ترتسم فيها بوضوح صور التكوينات المتخيلة و التي يريد خطها. وتدريجيا يحتل هذا الفراغ الذي يراه بمخيلته، الخطوط والتكوينات وصدى العبارات المخطوطة. يتوجه عند ذاك  بقلمه نحو المحبرة ليخط ما يرى في المخيلة،  فـتـتحول الورقة إلى شكل المنظر الفسـيح الذي تخيله، يمارس فيه الخطاط حرية التعـبير والابتكار بتشكيلات جديدة. تكوينات لم تعرف من قبل. ولكنها على صلة عائلية بخطوط الماضي.

يخط الخطاط أولا الحروف التي توحي بالثبات. ودائما يكون هذا الثبات هو مركز التكوين. ولا ينسى بعد ذلك أن يعطي لبعض الحروف حافزاً للهروب من قلب التكوين. وان كانت هذه الثـنائية ناجحة وواضحة للمشاهد فأنها من أهم الأشياء في نجاح التكوين. وقيل قديما إن افضل الخط هو ما يبدوا متحركاً رغم أن الحروف ثابتة. وهذا نراه في كل الفنون، فقد كان الفنان الإيطالي مايكل انجيلو يقول لطلابه: عندما ترسم إنساناً، دع ذراعيه توحيان بحركتين، إحداهما في ذهاب إلى الأمام والأخرى في رجوع إلى الخلف.
والفنان الصيني يقول لتلميذه: عندما ترسم غيمة في السماء اعمل طرفا منها يوحي بابتلاع شيء ما، وطرفا ً آخر يوحي وكأنه يبصق شيئا ما.
ان الحروف التي توحي بالثبات، هي التي تسمح للحروف المتحركة بالظهور. وهذه العلاقة النســبية تـتم في مخيلة المشــاهد.
تتـشـابك الحروف وتتلاقى كفرقة رقص على المسرح تطمح إلى التحليق في الفضاء بحركات رهيفة وقوية. تخاطر بالسـقوط ، لكنها لا تسقط قط.
كل حرف في التكوين له موقعه ومظهره المتحرك او الثابت. حركات تعبيرية لا يمكن وصفها بالكلمات. يبقى على المـشاهد نفـسه تحسـسها وترجمة جمالياتها الى طاقة فنية، كغذاء فني.
يمكن للخطاط أن يعطي لنفس العبارة ونفس الكلمات تكوينات متعددة ومختلفة. يعكس فيها مفهومه الجمالي وفلسـفته ونظرته للعالم. يمكن أن يكون التكوين  منغلقا على نفـسه، أو متفـتحا على العالم. يمكنه أيضاً أن يكون واقفا،  ويمكنه أن يكون راكضاً.
مهما يكن كبر وصغر التكوين الذي يعمله الخطاط، فانه يبقى يحتفظ بقوته التعبيرية بسبب الهيكل الهندسي التجريدي الذي فكر به في بداية عمله الخطي.

أما ديناميكية التكوين فتتكون في البداية من اصغر الحروف، ثم في الكلمات، وأخيرا ً في التكوين كله.

4

 قوة وديناميكية  الحروف آتية من داخل كل حرف. فمثلا لو نأخذ حرف الألف في خط الثلث فانه عند الخطاط ليس خطا مستقيما وهمزة فقط، بل انه سلـسلة من الحركات  المتموجة اللامرئية  داخل الخط. فأن هذا الحرف الذي يبدو مسـتقيما لأول وهلة. انما هو مجموعة من حركات معقدة.  فيبدأ الحرف من الاعلى بتـقعر خفيف غير مرئي لجهة الـيمين، ثم تحدب رهيف نحو اليسار،  وبعد ذلك ينزل الحرف في استقامة وسطية، وقبل هبوطه لملامسة السطر يميل قليلا  نحو اليسار. وهذه الفوارق الصغيرة هي كل الخط في الأساليب الكلاسيكية،  وان فـُقدت فسيكون الخط ضعيفا. كذلك يخفي الخطاط  في كل حرف مستدير أجزاء صغيرة من خطوط  مسـتقـيمة لمنح الحرف قوة تجنبه الارتخاء.
إن هذه الحركات الصغيرة والرهيفة. والتي تعلمها الخطاط  الناشئ من  الخطاطين الكبارالذين سبقوه، هي التي تجعل من حروفه خطوط ثرية التعبير الفني.
أما ديناميكية الكلمات فإنها تأتى من مقدرة الخطاط بإعادة صياغة ورسم الكلمة في كل مرة من جديد، وهذا ممكن وذلك  عبر إعادة الخط لنفس الحروف بشكل أقوى من السابق. أو البحث في المخيلة عن رسوم متعددة لنفس الحروف كي تشغل المكان بشكل افضل. ففي أسلوب الثلث  مثلا ًتوجد لكل حرف عدة أشكال ابتكرها الخطاطون منذ قرون عديدة.
قبل كل شيء، يتخيل الخطاط الاتجاهات العريضة للتكوين. والمساحة التي سوف يشغلها التكوين: الشكل المربع، أو المستطيل، أو المثلث. أو يجد شكلا جديدا. ثم يأتي بالحروف ويُسكنها في هذه الفراغات، أو يسكبها كالصائغ عندما يعمل الحلية،  يـُسكن الحروف داخل وحول الهيكل الذي تخيله. وإن بقيت حروف متمردة ترفض الانصياع والمشاركة بالعملية الفنية، فيترك لها مكان صغير، ويخطها بقلم رفيع، كيلا يؤثر حجمها على المظهر الفني العام للتكوين.
وهكذا فان للخطاط قوة التحكم في مصير حروفه. وهنالك ما تقوله الحروف هي أيضا، فأنها تطيع بعض الخطاطين وليس جميعهم. ولهذا نعجب بخطوط البعض فقط ونميل لرؤية خطوطهم بأستمرار.
 إن مشاهدة تكوين قوي تهبنا شعوراً بالامتلاء والاطمئنان. على عكس الخطوط الرديئة التي تخلق بداخلنا إحساسا بالقلق.

كانت التكوينات القديمة الجميلة، كأغصان سوداء متـشابكة لشجرة محترقة  بفعل حرارة الشمس في قلب الصحراء. حروف سوداء عارية  كهيكل عظمي على خلفية صافية  للفضاء. تلابست الحروف في التكوين ولم تعد الكلمات تقرأ. فهدف الخطاط قبل كل شيء هو رؤية جمالية شاملة عبر كل الحروف.

 التكوين الخطي يعطي نصف المعلومات للمشاهد، أما النصف المتمم فيبحث عنه المشاهد في نفسه، يبحث عن المعنى محاولا القراءة، ويتخيل في الشكل العام للتكوين أشياء قد تبـتعد تماما عما تخيل الخطاط.  آنذاك يضع حقـيـقـته في العمل الفني، فيـشعر هو نفسه وكأنه مـساهم في عمل التكوين. يمكنه أن يشعر هو أيضا انه فنان وخلا ّق.

*

ابتداء من القرن الرابع عشر الميلادي بدأت تظهر تكوينات تتسم بالجرأة في المعالم المعمارية في آسيا الوسطى. ثم إيران والعراق ومصر. تكوينات متشابكة لا يستطيع قراءتها أحد، الهدف منا متعة العين، والانغمار في التأملات.

koufi geometrique, kufi

 تكوينات الخط الكوفي الهندسي التي عملت من الطابوق، تلغي أهم ما في خط القدماء بسبب نوعية المواد الأولية للبناء. تلغي أهم ما كان معروفا في الخط العربي، ألا وهو النحافة والسمك داخل كل حرف.
في الخط الكوفي الهندسي بالمعمار يكتب الخطاط الحرف بالطابوق، وكذلك الفراغ المحيط بالحرف يكون بسمك الطابوق أيضا. انه زمن جديد للخط طبقته جميع الدول الإسلامية  بمعالمها المعمارية. ولم نخسر أي شيء، فالخط الكلاسيكي استمر وتقدم والأساليب الجديدة للقرن الرابع عشر هي الأخرى تطورت.

 

  ففي الوهلة الأولى لا تبدوا أية علاقة  بين كوفي المصاحف و بين الكوفي الهندسي. ولكن عند التمعن جيدا نرى بوضوح العلاقة العائلية المتـينة بين الاثـنين. وهذا هو الخلق الفني، فانه في البداية يحيّر ويقلق، ولكننا في النهاية نكتـشـف انه ثراء وإضافة لما نملك.
الكتابة بالطابوق وضعت حلول عديدة للمساحات التشــكيلية في العمارة. إذ أن كل الخطوط السابقة التي كبرّت للعمارة لم تكن مـتناسبة، لأنها تقـليد لخط المصاحف.  أي تقليد خط منقار القصبة في حركاته الرفيعة والسميكة. بينما في الكوفي الهندسي ولأول مرة تدخل الخطوط بالضبط في المساحة المخصصة لها من قبل المعمار.  وبعد ذلك واصل الخطاط القديم إبداعه فأعطى ديناميكية اكبر للخطوط على المنارة فجعلها تنزل مائلة بشكل حلزوني. وحتى المربعات المخطوطة أخذت فيما بعد أشكال قلقة بجعلها ترتكز على نقطة واحدة. وهكذا فإن خط المصاحف بقي في المصاحف. أما العمارة فأنها وجدت ما يلائمها. والنـتيجة هي إثراء للفـنون وبهجة للعيون.
هذا مثال واحد ولكن هنالك أمثلة كثـيرة لإبداع الخطاطين في الماضي. لقد كان الخطاطون والشعراء والموسـيقـيون في طليعة المجددين داخل المدينة الإسلامية. وعند ذكر تراث الحضارة الاسلامية ، انما يذكر المؤرخون نتاجات واعمال هؤلاء المثقفين.
 وقد يُطرح اليوم سؤال: ما مدى أهمية وضرورة الحاجة للخط في العصر الحديث ؟  إن المعالم الكبرى يقوم بها معماريين ليسوا على علم بجماليات الخط العربي وماعدا ذلك فان احتياجات الخط الأخرى يمكن أن تقوم بها وسائل الطباعة  الحديثة؟
والجواب هو لو ننظر لما تبقى من المعالم القديمة والديكور الخطي، سندرك أن هذا الفن يمكنه أن يغذي باستمرارالأحاسيس والمشاعر لحاضرنا ولمستـقبلنا. وبالإضافة إلى ذلك فان الأجيال الجديدة من الخطاطين يمكنها أن تخلق أجواء جديدة لحاجات جديدة. إذ لا يمكن للبحث الجمالي أن يشـبع رغباتنا فقط، إنه التقدم والتطور بحد ذاته.
 وللوصول الى حركة فنية قاعدتها الخط العربي، لابد من وجود صحف وكتب تهتم بالخط. في هذا الزمن الذي يكون فيه سـهلا ً تصوير الخطوط على المعالم وطبعها، كي يتعرف عليها الخطاطون الناشـئون، وتكون دراستها المادة الأولى لخلق خط حديث. كذلك لابد من معارض ولقاءات تخلق مناخ إبداع وتجديد وحوار. كما لاننسى ضرورة التعود على اقتـناء اعمال الخطاطين من قبل كل من يتمكن شراء هذه الاعمال. أنذاك يستطيع  الخطاط مواصلة اعطاء الزمن الذي تتطلبه العملية الخطية.

                   *                   

 في القرون الأربعة الأخيرة كانت الدولة العثمانية هي التي تقود مجموعة الخطاطين على أراضيها. كان الطالب الصغير يدق باب خطاط كبير. وبعد التجربة قد يقبل به الأستاذ كمتعلم أو لا.
على الطالب احترام أستاذه وتتبعه  في أسلوبه. وعبر الأستاذ يتعلم التلميذ قوانين الخط. والتي تعلمها الاستاذ هو بدوره من أستاذه.  وهكذا أن التعبير الخطي اخذ هذا المنحى عند الدولة العثمانية. والتي هيمنت منذ القرن السادس عشر على كل الدول العربية، عدا المغرب.
 كان العمل الفني يدور داخل شبكة من القوانين والمفاهيم يحترمها الجميع. ومن لا يريد احترامها يضع نفسه خارج قوانين الفن الذي يزيّن معالم المدينة.  وإن اختار الخروج عن نظام الدولة، فلا تكلفه الدولة بطلبات لإنجاز العمل.
 فليذهب إذن إلى السوق ليخط للصفاريين ببضعة دراهم أو ليقم بأي عمل آخر، كتعليم الأطفال في المحلات الفقيرة. لن يعد آنذاك لديه وقت للبحث والتطور، لانه يعمل كثيرا و بمورد قليل. وعندما انهارت الدولة العثمانية، لم تعد قوانينها الفنية تساوي شيئا. لم يعد للخطاط دورا حقيقيا كما كان سابقا. وهكذا انتهى حال الخطاط لحد يومنا الحالي. والاستمرارية للخط القديم انما تتم بجهود بعض الخطاطين الذين يقدروا اهمية هذا الفن لمجتمعنا العربي ولكل من يستعمل الحرف العربي.
 ربما كان الهدف من القوانين القديمة في الخط احترام التراث والحفاظ عليه. ولكننا اليوم نرى أنها اصبحت في بعض البلدان عائـقاً لمواصلة هذا التراث، وحتى أنها لم تستطع المحافظة على الخط القديم. فقبل قرن من الزمن  كان عدد الخطاطين يحسب بالآلاف أما اليوم فانه يحسب بالعشرات.
 إن هذا المثل يمكن تطبيقه على كل نشاطات الدولة العثمانية. وانه أحد الأسباب التي أدت إلى الانهيار المفجع لهذه الإمبراطورية. إذ لا يجب أن ننسى أن جمود جيل من البشر سوف يؤدي إلي فقر الجيل الذي سوف يخلفه.

 بل انه لمن المفجع بشكل اكثر رؤية التوجهات الثـقافية لبعض الدوائر الرسمية اليوم وخصوصا في مجال الخط،  كامتداد للقوانين الصارمة للنظام العثماني  تجاه الخط والذي سبق وان اثبت فـشل هذه التوجهات.
 ان جماهير الدول العربية ـ الاسلامية ، تعيــش الفـقر الثقـافي، والكثيرمن شبابها يحلم بالهجرة، الى العالم الصناعي. أي الدول التي تفـتح ذراعيها أمام الخلق الفني بكل اتجاهاته. النظر للخارج بســبب ركود مجتمعاتنا ثقافيا، وتقلص الإنتاج الفني. الانتاج الفني هو انتاج روحي قبل كل شيء والغرض منه تطوير الذوق البشـري والسمو بأخلاق المجتمع  ككل.

الخوف من التجديد . كان قد أسـقط الامبراطورية العثمانية، ومزقها . وهذا ما نشـاهده في الكثير من  بلداننا ايضا الآن. وعندما يشـعر الناس بهذا الاختـناق الحالي. يطالب البعض وبسـذاجة بالرجوع الى الوراء. الرجوع الى الخلف في قراءة خاطئة للتاريخ، بينما المفروض ان نسـرع الى الامام. وان نتطور مع كل ما اعطانا التطور البشـري الحديث من امكانيات. فلنـتذكر من الماضي فـقط فترات الانفـتاح وخيراتها، ونأخذ أجمل ماتركه الماضي لنا ونطوره بأتجاه المستقبل.

                              *                                            
ولتوضيح التطور الذي مر به الخط في الزمن الماضي. يمكن ان نأخذ  كمثال على ذلك استعمال الخط الكوفي بشـكل واسع للمصاحف في القرن التاسع.  ولكن بنهاية القرن العاشـر بدأ التحول نحو أسلوب النسخ . لأسباب اجتماعية عديدة. اهمها الازدهار الحضاري والترف للدولة الاسلامية الكبيرة المتعددة القوميات .
 التقدم الحضاري في العصر العباسـي سمح بولادة  أساليب في الخط العربي لا حصر لها  من ابداع الخطاطين، لان الدولة الاسلامية كانت آنذاك دولة مفتوحة، على شكل الولايات المتحدة او الاتحاد الاوربي في عصرنا الحالي. ففي العالم الغربي الواسع اليوم يتـنقل الناس بدون جوازات سـفر ويعملون في المكان الذي يجدونه ملائما لهم.
 وهكذا كانت الدولة الاسلامية سابقا تمتد من بعض اجزاء الصين وحتى الاندلس. فكان للخطاط مجالات عمل واسعة. و تمكن من ابداع اساليب عديدة في الخط. وهكذا كنا نسمع بشار بن برد في القرن الثامن  يقول:
 واذا خـشـيت تعذرا في بلدة فأشــدد يديك بعـاجل الترحال .
كان يعرف انه يستطيع العيش بمدينة اخرى. وكان الشاعر الحريري في القرن 12 يقول:
وجب البلاد فأيها أرضاك فأختـره وطن .
اما اليوم فلم يعد التـنقل سهلا  بين الدول العربية والاسلامية .
 ويمكن تصوّر ان هذا المناخ الايجابي،  في زمن الدولة الاسلامية المتعددة القوميات. والذي كان يشـمل كل مجالات الابداع. فالشـعراء في كل مكان. والموسـيقـيون في القصور. والمعماريون في المدينة. وكمثال على ذلك: فان الفيلسـوف الغزالي ولد في ايران وعمل استاذا في المدرسة النظامية ببغداد. وزرياب ولد في بغداد وفتح اكبر مدرسة للموسـيقى في الاندلس يتعلم فيها حتى ابناء الاوربيين. وياقوت اكبرخطاطي بغداد في القرن الثالث عشر ولد في اوربا وتبناه الخليفة المستعصمي.
كان الخليفة المأمون يطلب من الخطاطين ان يســـتنـسخوا نموذجا لكل كتاب موجود على الارض. وان كان بلغة اخرى ليترجم ويُخط. وهكذا تنشـط مخيلة الانسان ويتطور المجتمع. وهذا بالضبط ما يحدث الان في الدول الصناعية الكبرى. بينما  في العصر الحالي عندما نريد شـراء كتاب وندخل مكتبة عربية تصيبنا الدهـشة  لقلة الكتب.

 *

في عصرنا الحالي لم تعد الدولة توجه الخط. كما حصل سابقا. مما يعطي الخطاط الحرية الكاملة في عمل خطوطه. لكنما قلة المعارض وقلة الاهتمام بالخط ان لم نقل الاهمال الكامل بعمل الخطاط  كجميع الفنون التشكيلية. هذا الاهمال يجعل الخطاط يواجه مشاكل اقتصادية تدفعه إلى ممارسة العمل التجاري الى جانب عمله الفني ، و تجبره على تقليص وقت البحث والتجديد والذي هو ضرورة ملحة كي لا نتراجع إلى الخلف.
 كان الكثير من هواة الفن والأثرياء في الزمن الماضي يقـتــنون الخطوط بأسعار عالية مما يوفر الوقت للخطاط للبحث والتدريب. قال أحد الخطاطين القدماء: عندما أخط  وأبيع نسخة من كتاب ـ المجسطي ـ وهو كتاب علمي مترجم عن اللغة الاغريقية. يكفيني هذا المورد ان اعيش لمدة سنة.
 كان هنالك ايضا ً تشجيع واسع من الشخصيات العليا في الدولة. يقال ان السلطان مصطفى الثاني كان ينظر باعجاب الى الخطاط الحافظ عثمان في القرن السابع عشر وهو يخط. فيقول له:
 هل سـيأتي يوم ياحافـظ ان يأتي خطـاط مثــلك؟ 
فأجابه الحافظ عثمان:
  نعم سـيكون هنالك خطـاط مثـلي لو يأتي  سـلطان مـثـلـك يمسـك المحبرة لخطاطه المفـضل                 
                                       *               
لا يجد الاطفال والهواة  اليوم امكانية تعلم الخط بسهولة. وعلى من يريد تعلم الخط  في اكثر الاحيان الاعتماد على نفسه في البحث وتقليد الخطوط المطبوعة. وكم هو تبذير للوقت ان يحاول الشخص التعلم وحيدا لفن كهذا. ان التمرين على الخط والتوصل الى اتقان بضعة اساليب يتطلب سنين من العمل. ولكن يصعب تحقـيق ذلك  بشكل فردي. اذ لابد للخطاط المبتديء من فهم وهضم تركة الماضي من الخطوط  والتكوينات، ومعرفة اين تكمن جمالياتها. اضافة الى التمرين المســتمر الذي سوف يساعده على ادراك كنه وجوهر الجمال في هذا التعبير الفني. كذلك لابد من اضافة الجديد بالاســتلهام من أشكال وعناصر الطبيعة كالأرض والنار والهواء والماء. وكذلك من الهندســية المخفـية خلف اشكال الازهارمثلا او التأمل  في أشكال كثبان الرمل والغيوم في السماء.
 كل هذا سيكون صعباً جدا في عالم مادي يبحث عن المنفعة المباشـرة قبل كل شيء. 
                                             *
لقد تأثرت التكوينات الخطية سابقا بشكل المعالم المعمارية. كان المعماري يعمل مع الخطاط، في كيفية وضع الخطوط على الجدران. وبهذا تعلم الخطاط كثيرا من المعماري. في هندسـته للاشكال وكيفية احتلال الفضاء. والصعود عاليا بالحروف مع مراعاة قانون الجاذبية. وبهذا عمل الخطاط تكوينات للمكان المطلوب على جدران البناية. ولتـشغل المساحة المخصصة بالضبط.

 

ومن الخطاطين اللذين عملوا مع المعماريـين أذكر على سبيل المثال الخطاط راقم الذي كان له جرأة كبيرة في كسر العبارة وإعادة تركيبها حسب تخيلاته. ومن تكويناته المشهورة  لوحة لاحـول ولا قـوة الا بالله المحفوظة بمتحف طوب كبي باسطنبول.
 وضع في وسط هذا التكوين الثلاث لاءات المتباعدة في العبارة. ولكنه لصق بعضها ببعض.  ثم عمل الف ولام على اليمين والف وبا على اليسار. في العبارة الف منفردة واحدة،  بينما تكوينه احتاج الى اثنين. فأضاف عبارة أخرى هي العـلي العظـيم في الأعلى وخطها بشكل صغير جدا، ولكنه اقترض منها ألِفا ليستعمـلها في اكمال تكوينه للحروف الكبيرة.
 الحروف المدورة جعلها تدخل الواحد ببطن الآخر. ولم يتردد بتصغير الحروف  واو  و  قو، كي تدخل بسهولة في التكوين. ثم وضع الأربع نقاط لكل العبارة سوية في أعلى اللاءات ووضع لفظ الجلالة الله في الأعلى.
إن ما يدهش في هذا التكوين هو اتساع مخيلة راقم في عدد المرات التي يتدخل فيها كي يغير مكان الحروف ويصغرها. ويضيف حرفا من اجل بناء تكوين جديد ومتناغم يخضع لهندسية بسيطة وقوية.
وُلد مصطفى راقم في عام 1757 وتوفى عام 1826 وترك لنا الكثير من التكوينات التي تتميز بالأناقة والكمال. وكان العثمانـيون يقولون عنه: إذا كان الغرب فخورا ً بمايكل انجـيلو فنحن فخورون بالخطاط راقم.

ترك لنا الخطاطون القدماء الكثير من التكوينات في المعالم المعمارية وعلى الورق. فـفي حدائق  قصر الحمراء خط  صغير كـُـتبتْ  فيه عبارة هي شعار بني عبّاد: لا غالب إلا الله وقد أضاف الخطاط في الأعلى امتداد للحروف وزخارف تشابه الحروف الكوفية بما يعادل ثلاث مرات حجم العبارة. أي أن ربع المساحة في الاسفل كان كافيا لخط العبارة. ولكن الخطاط عمل إضافات عليا لمعادلة تكوينه، ولكنه من جهة أخرى استغل هذه الزيادات للتمتع بحرية الإبداع والخلق. فالمساحات الإضافية هي ملكه الخاص يتصرف بها كما يحب وكما يريد. العبارة خطت بأسلوب كوفي معروف لكن كل مارسمه في الاعلى كان من ابداعه الشخصي.
الإبداع والخلق يتم في أجواء من التشجيع. فهناك تأثير متبادل بين الخطاط والمجتمع. فإن كان هنالك احترام وتقـدير تبرز الفـنون وتلعب دورها الفعال. وان كان هنالك الإهمال فـسوف تضمحل الفنون ويفـقد المجتمع علاماته الجمالية  ويبقى  المجتمع مقلدا. الفن هو تكثـيف للطاقات التي تغذي من ينظر إليها. وأن الجمال الـفني يتحول في عيون المـشاهد إلى طاقة إيجابية.
ترتفع الألفات واللامات بخطوط رهـيفة في خط الحجر المحفور في حدائق قصر غرناطة. لا نلبث أن نرى هذه الرهافة  حولنا في القصر نفسه. فالأعمدة الرخامية في قصر الحمراء رفيعة رشـيقة. وهنا يأتي السؤال: من تأثر بمن؟  هل ان المعماري تأثـر بعمل الخطاط، أم الخطاط تأثر بهندسة المعماري؟ ان هذا التأثير المتبادل يمكن تصوره في اشـياء متعددة مابين الفن والحياة. الفن هو انعكاس لحركة المجتمع. يتاثر به ويؤثر عليه.
ومن هنا نطرح السؤال التالي: هل يمكن ان نسـتمر على مظهر الخط كما كان في عصر الحصان. ونحن الآن في زمن الطيران؟

حسن المسعود ـــ  باريس  ـ آذار2007

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s